الشهر: أغسطس 2026

  • اللعب.. اللغة السرية لنمو الطفل

    حين نراقب طفلاً صغيراً يبني برجاً من المكعبات ثم يهدمه بضحكة عالية، قد نظن أننا أمام مجرد تسلية عابرة غير أن خلف هذا المشهد البسيط تكمن عملية معقدة يتشكّل فيها العقل، وتُصقل فيها المهارات، وتُبنى فيها أسس الشخصية التي سيحملها هذا الطفل طوال حياته وفي المملكة العربية السعودية، حيث تشهد الأسرة تحولات متسارعة في نمط الحياة اليومي، بات هذا الموضوع محل اهتمام متزايد لدى الآباء والمؤسسات التربوية على حد سواء.
    فمنذ سنواته الأولى، يمنح اللعب الطفل وسيلة للتعبير عن مشاعره قبل أن يمتلك المفردات الكافية لوصفها بالكلام؛ إذ حين يُمثّل دور الطبيب أو يحاكي مشهداً عائلياً بدماه، إنما يُعيد تركيب تجاربه، ويعالج مخاوفه، ويختبر مواقف الحياة من موقع آمن لا تُحاسبه فيه القواعد الصارمة للعالم الحقيقي وانطلاقاً من هذا الإدراك، أولت رؤية المملكة 2030 اهتماماً واضحاً بجودة الحياة الأسرية وتنمية الطفل، الأمر الذي انعكس في افتتاح حدائق ومساحات عامة مخصصة للأطفال في مختلف المدن، من الرياض إلى جدة والدمام، بوصفها بيئات حاضنة لهذا النوع من الاستكشاف الحر.
    كذلك، حين يفرز الطفل الأشكال بحسب اللون أو يحاول تركيب أحجية، فهو يمارس بلا وعي مهارات التصنيف والاستنتاج المنطقي؛ وبالمثل، حين يبتكر قصة خيالية لدميته المفضلة، يُنمّي قدرته على التخيّل وحل المشكلات بطرق غير تقليدية وتبعاً لهذا التوجه، بدأت رياض الأطفال ورياض الحضانة في المدن السعودية الكبرى تعتمد مناهج تقوم على التعلّم باللعب، متأثرة بتوجهات وزارة التعليم نحو تطوير مرحلة الطفولة المبكرة، بعد أن كان التركيز في السابق منصبّاً بشكل أكبر على الحفظ والتلقين.
    أما على الصعيد الاجتماعي، فحين يشارك الطفل أقرانه لعبة جماعية في الحي أو في المدرسة، يتعلّم مهارات لا تُدرَّس في كتاب، كالتفاوض حول الأدوار، وتقبّل الخسارة، والانتظار حتى يحين دوره ومن ثمّ، تُهيّئه هذه المواقف الصغيرة تدريجياً للاندماج في محيط اجتماعي متماسك تُقدَّر فيه قيم التكافل والألفة بين الأسر والجيران، وهي قيم راسخة في النسيج الاجتماعي السعودي منذ القدم، وإن اتخذت اليوم أشكالاً جديدة مع انتشار المجمعات السكنية والمرافق الترفيهية الحديثة.
    على أن هذا لا يعني أن الطفل يحتاج ألعاباً باهظة الثمن أو برامج تعليمية معقّدة، بل إن أبسط الأدوات، كصندوق كرتون أو مجموعة أزرار ملوّنة، قد تُطلق خياله أكثر من أي جهاز إلكتروني متطور ومع ذلك، فقد باتت كثير من الأسر السعودية تُقبل على الألعاب الرقمية والتطبيقات التعليمية نتيجة انتشار الأجهزة الذكية في المنازل. لذا، فإن ما يحتاجه الطفل فعلاً هو وقت غير مشروط يقضيه معه أحد والديه، دون هاتف يقاطعهما، ودون توجيه دائم يُقيّد اكتشافه؛ ذلك أن حضور الكبار كشريك في اللعب، لا كمشرف عليه، يمنح الطفل شعوراً بالأمان يدفعه للاستكشاف بجرأة أكبر.
    وقد تبدو ساعات اللعب في نظر البعض وقتاً مهدوراً يمكن استثماره في أنشطة “أكثر جدية”، خصوصاً في ظل التنافس الأسري على إلحاق الأطفال ببرامج تعليمية مبكرة. بيد أن الحقيقة أن هذه الساعات هي المختبر الحقيقي الذي يُصقل فيه عقل الطفل وقلبه معاً، لذا فإن الاستثمار الأمثل في السنوات الأولى، وفق ما تسعى إليه الجهود التنموية في المملكة، لا يكمن في حشو الطفل بالمعلومات، وإنما في منحه مساحة يلعب فيها بحرّية.

  • الاستقلالية لدى الأطفال

    تعد الاستقلالية من الجوانب الأساسية في بناء شخصية الطفل خلال مرحلة الروضة، إذ يبدأ الطفل في هذه المرحلة بالانتقال تدريجيا من الاعتماد الكبير على الكبار إلى القدرة على القيام ببعض المهام اليومية بنفسه، واتخاذ اختيارات تتناسب مع عمره، والتعبير عن رغباته واحتياجاته بصورة أكثر وضوحا، كما تتسع خبراته التي تساعده على الشعور بقدرته على الإنجاز وتحمل المسؤولية، ولذلك تمثل الاستقلالية جزءا مهما من النمو المتكامل للطفل.

    وتبرز أهمية الاستقلالية من خلال علاقتها بتكوين الثقة بالنفس والشعور بالكفاءة، فعندما يمنح الطفل فرصة لإنجاز مهمة بسيطة دون تدخل مباشر من الكبار فإنه يكتسب خبرة إيجابية تجعله أكثر استعدادا للمحاولة مرة أخرى، كما أن تكرار هذه الخبرات يساعده على تطوير قدرته على اتخاذ القرار والتعامل مع المواقف اليومية، ومن ثم تصبح المواقف البسيطة مثل ترتيب الألعاب أو اختيار النشاط أو تناول الطعام بمفرده فرصا تربوية تسهم في بناء شخصية أكثر اعتمادا على الذات.

    وفي هذا السياق تؤدي الأسرة دورا محوريا في تنمية استقلالية الطفل، فالطفل يتعلم الكثير من خلال الممارسات اليومية داخل المنزل، وعندما يسمح له الوالدان بالمشاركة في بعض المهام المناسبة لعمره فإنهما يقدمان له فرصا حقيقية للتعلم وتحمل المسؤولية، كذلك فإن تشجيعه على التعبير عن رأيه واختيار ما يناسبه ضمن حدود واضحة يساعده على إدراك قيمة قراراته، في حين أن القيام بجميع المهام نيابة عنه قد يقلل من فرص اكتساب الخبرة والاعتماد على النفس.

    وبالتوازي مع ذلك تمثل رياض الأطفال بيئة تربوية مهمة لتطوير الاستقلالية، حيث يستطيع الطفل ممارسة مجموعة من السلوكيات التي تعزز اعتماده على نفسه في إطار منظم وآمن، ويمكن للمعلمة أن تتيح للأطفال فرصا لاختيار الأنشطة وترتيب الأدوات والمحافظة على ممتلكاتهم الشخصية والمشاركة في تنظيم البيئة الصفية، كما يمكنها توزيع بعض المسؤوليات البسيطة بينهم بطريقة تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم، الأمر الذي يجعل الاستقلالية ممارسة يومية وليست مجرد مفهوم نظري.

    ومن ناحية أخرى يسهم اللعب في منح الطفل مساحة واسعة للتجربة واتخاذ القرار، فالطفل أثناء اللعب يختار الأدوات والأدوار ويحدد طريقة التعامل مع الموقف الذي يواجهه، وقد يحاول أكثر من مرة للوصول إلى الحل الذي يراه مناسبا، وبذلك يوفر اللعب مواقف طبيعية تساعده على تنمية المبادرة وتحمل المسؤولية، كما أن اللعب الجماعي يتيح له ممارسة الاستقلالية مع مراعاة وجود الآخرين والتفاوض معهم واحترام اختياراتهم.

    ومع ذلك فإن تنمية الاستقلالية لا تعني ترك الطفل دون توجيه أو مطالبته بأداء مهام تتجاوز قدراته، بل تحتاج إلى تدرج يتناسب مع نموه واستعداداته، فالطفل قد يحتاج في البداية إلى نموذج يوضح له كيفية أداء المهمة ثم ينتقل تدريجيا إلى تنفيذها بمساعدة محدودة، وبعد اكتساب الخبرة يصبح قادرا على إنجازها بصورة أكثر استقلالا، ويعد هذا التدرج عاملا مهما في تجنب الإحباط والمحافظة على دافعية الطفل للتعلم.

    كما ينبغي الانتباه إلى أثر الفروق الفردية في مستوى الاستقلالية بين الأطفال، فقد يتمكن طفل من أداء مهمة معينة في سن مبكرة بينما يحتاج طفل آخر إلى وقت أطول للتدرب عليها، ولذلك فإن مقارنة الأطفال ببعضهم قد تؤدي إلى مشاعر سلبية وتضعف رغبتهم في المحاولة، والأفضل أن تتم متابعة تطور كل طفل وفقا لقدراته السابقة وأن يتم تقدير تقدمه بصورة مستمرة، مع توفير الدعم الذي يساعده على الانتقال إلى مستوى أعلى من الاعتماد على النفس.

    وتتأثر فرص اكتساب الاستقلالية أيضا ببعض الممارسات الشائعة في الحياة اليومية، فالإفراط في الحماية والخوف المستمر على الطفل قد يدفعان الكبار إلى التدخل في تفاصيل حياته وإنجاز مهامه بدلا منه، كما أن ضيق الوقت قد يجعل الوالدين أو المعلمة يفضلون إنجاز المهمة بسرعة، غير أن هذا الأسلوب يحرم الطفل من الممارسة التي يحتاج إليها حتى يكتسب المهارة، لذلك يصبح من المهم تخصيص وقت يسمح له بالمحاولة والتجربة حتى وإن استغرق ذلك وقتا أطول في البداية.

    وبناء على ذلك فإن تعزيز الاستقلالية لدى أطفال الروضة يرتبط بوجود بيئة تشجع الطفل على المحاولة وتمنحه فرصا مناسبة للاختيار وتحمل المسؤولية، مع توفير التوجيه والحماية عند الحاجة، كما أن التعاون بين الأسرة ورياض الأطفال يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاتساق في أساليب التعامل مع الطفل، فعندما يجد الطفل تشجيعا متقاربا في المنزل والروضة يصبح أكثر قدرة على ممارسة الاستقلالية بصورة طبيعية ومتدرجة، وتتحول المهام اليومية البسيطة إلى خبرات تربوية تساعده على بناء الثقة وتحمل المسؤولية والاستعداد للمراحل اللاحقة من نموه.

  • مهارات الوعي الكلامي للطفولة المبكرة- أ. مها عمر عامر السفياني*

    يمثل الوعي الصوتي في مرحلة الطفولة المبكرة قدرة الطفل على إدراك البنية الصوتية للغة المنطوقة والتعامل مع وحداتها بوصفها كيانات قابلة للتجزئة والمعالجة؛ فهو مهارة تتجاوز المعنى المباشر للكلمة إلى شكلها الصوتي، وقد عرّفها أنثوني وفرانسيس بأنها القدرة على كشف البنية الصوتية للكلمات ومعالجتها بصرف النظر عن حجم الوحدة اللغوية محل التركيز؛ ويدرك الطفل من خلالها أن كلامه المتصل يتألف من كلمات، وأن الكلمة تنطوي على مقاطع، وأن المقطع يحمل أصواتاً أصغر تُسمع ولا تُرى؛ وتكتسب هذه المهارة مكانة استثنائية في هذه المرحلة لأنها تشكل الجسر الذي يعبر عليه الطفل من عالم اللغة المنطوقة إلى عالم الرمز المكتوب، وتُعد من أقوى المؤشرات التنبؤية بمستقبله القرائي قبل أن يلتقط القلم للمرة الأولى، بل إن ضعفها قبل دخول المدرسة يُعد رسالة إنذار مبكرة بتعثر محتمل في القراءة لاحقاً.

    ينمو هذا الوعي وفق تسلسل هرمي ينتقل من الوحدات الكبرى إلى الوحدات الأصغر؛ فيبدأ الطفل في سن الروضة بإدراك الكلمة بوصفها وحدة مستقلة داخل الجملة، ثم ينتقل إلى تمييز المقاطع الصوتية، فالقوافي والجناس، قبل أن يصل إلى أصعب المستويات وأكثرها تجريداً المتمثل في إدراك الأصوات المفردة؛ ويُلاحظ أن قدرة الطفل على المطابقة الصوتية تسبق قدرته على الإنتاج، وأن الوعي بالقافية يسبق الوعي بالصوت المفرد، الأمر الذي يستوجب من المعلم قراءة مستوى الطفل بدقة قبل اختيار المهارة المستهدفة؛ وتظل هذه الحساسية الصوتية المبكرة بمثابة البذرة التي تنضج لاحقاً إلى وعي صرفي وصوتي متكامل يخدم القراءة والكتابة معاً.

    وتدعم الأدلة العلمية الدولية هذا التصور بقوة؛ إذ يوضح تقرير اللجنة الوطنية الأمريكية لمحو الأمية المبكرة أن مهارات التقطيع والدمج والتعرف على الصوت الأولي والأخير تُصنف ضمن أقوى المتغيرات المرتبطة بنجاح الطفل لاحقاً في القراءة والطلاقة والفهم والإملاء؛ وقد أكدت المراجعة التحليلية التي أعدتها إيهري وزملاؤها لأبحاث تعليم القراءة أن التدريس الصريح للوعي الصوتي يحقق أثراً واضحاً في اكتساب القراءة والإملاء، وأن أثره يبلغ ذروته لدى أطفال ما قبل المدرسة ورياض الأطفال مقارنة بمن هم أكبر سناً، ما يدل على أن هذه المرحلة العمرية تمثل نافذة حساسة يتسع فيها التأثير التعليمي قبل ترسخ المسار النمائي.

    وفي السياق العربي، تلتقي نتائج الدراسات الميدانية مع هذا الإجماع الدولي؛ فقد توصلت رسالة ماجستير بجامعة قطر إلى أن توافر مهارات الوعي الصوتي في مناهج اللغة العربية للصفوف الأولى شرط لازم لانتقال الطفل إلى القراءة دون تعثر، وأن غيابها أو ضعف وزنها النسبي في المحتوى يعرض المتعلم لاحقاً لصعوبات التهجي والقراءة، الأمر الذي يستدعي مراجعة منظمة لمحتوى المناهج وتوزيع المهارات بحيث تتدرج من السهل إلى الصعب؛ ويبرز هنا دور المصممين التربويين في إعادة الموازنة بين المهارات الصوتية وغيرها من المهارات اللغوية، بحيث لا تطغى المهارات البصرية على المهارات السمعية، ولا تُترك معالجة الوعي الصوتي للصدفة أو لمبادرة المعلم المنفرد.

    وتعمّق هذه النتيجة دراسة أخرى أُجريت على عينة من الأطفال العاديين وذوي صعوبات القراءة، إذ كشفت أن الوعي الصوتي يمثل أقوى العوامل التفريقية بين المجموعتين، وأنه يرتبط ارتباطاً قوياً بمهارة التعرف على الكلمات وطلاقة القراءة الجهرية؛ ومثل هذه النتائج تضع الوعي الصوتي في صدارة المكونات التي ينبغي قياسها ومعالجتها مبكراً، ولا سيما لدى الأطفال الذين يظهرون تأخراً في الكلام أو صعوبة في تمييز الأصوات المتشابهة؛ وتنتقل الدلالة العملية لهذه النتيجة من المختبر إلى الفصل، حين يتحول المعلم من مجرد مراقب لنمو الطفل اللغوي إلى مُشخّص نشط لمواطن الضعف الصوتي قبل أن تتراكم وتتحول إلى عجز قرائي.

    وتنبثق هذه الأهمية من تصور محو الأمية الناشئة الذي قدمته دراسة لونيغان وزملائه، إذ تفترض أن مهارات الوعي الصوتي تنمو ضمن منظومة داخلية تتكامل فيها المعرفة بالحروف والوعي بالمطبوعات واللغة المنطوقة؛ وكلما اتسعت هذه القاعدة المبكرة، استقر بناء الطفل القرائي على أساس متين، فتعاضدت مكونات الإدراك الصوتي مع المعرفة الأبجدية لتسريع تحويل الرموز المكتوبة إلى أصوات ذات معنى؛ وعليه، فإن تأخر أحد المكونات، ولا سيما الوعي الصوتي، ينعكس سلباً على فك الرمز وفهم المقروء، ويضع الطفل على أطراف خطر صعوبات التعلم، وتظل قدرته على كشف البنية الصوتية للكلمات ومعالجتها مؤشراً دالاً على نضجه اللغوي ومدى استعداده لاقتحام عالم الكتاب.

    وتتفرع مهارات الوعي الصوتي في الطفولة المبكرة إلى عدد من العمليات القابلة للقياس، تتدرج من الأسهل إلى الأكثر تجريداً؛ فعلى رأسها الوعي بالقافية والجناس الذي يقوم على مطابقة الكلمات المتشابهة النهايات الصوتية، يليه الوعي بالمقطع الذي يتطلب تجزئة الكلمة إلى وحداتها الإيقاعية، ثم عزل الصوت الأولي والأخير، فالدمج الذي يطلب من الطفل جمع الأصوات المتفرقة لتكوين كلمة، والتقطيع الذي يقتضي تفكيك الكلمة إلى أصواتها المكونة، وانتهاءً بالعمليات الأرقى كالحذف والإضافة والتعويض التي تتطلب مرونة في معالجة البنية الصوتية؛ وتُعد مهارتا الدمج والتقطيع محورين فاعلين في توقّع الكفاءة القرائية، لأنهما تنقلان الطفل من الإدراك السمعي البحت إلى التمثيل العقلي القابل للربط برموز الكتابة، وتشكلان الأرضية التي تنبت عليها لاحقاً مهارة الهجاء والتعبير الكتابي.

    ولأن التشخيص المبكر يسبق التدخل دائماً، فقد طوّر الباحثون أدوات قياس متنوعة لتقييم الوعي الصوتي في سن الطفولة المبكرة، تتراوح بين اختبارات معيارية وأخرى يبنيها الباحث وفق طبيعة اللغة العربية؛ فمن الأدوات العالمية اختبار شامل لمعالجة الأصوات يقيس الوعي الصوتي والذاكرة الصوتية والتسمية الآلية السريعة، ويُستخدم لكشف من يقل أداؤهم عن أقرانهم وتحديد مواطن القوة والضعف لديهم، إضافة إلى نظام تقييم تكيّفي يستهدف الأطفال في سن مبكرة ويتيح قياساً يراعي تباين قدراتهم عبر اختبارات فرعية للقافية والدمج والتقطيع؛ وفي السياق العربي، أعدّت دراسات مقاييس للوعي الصوتي لأطفال الروضة تضم اختبارات فرعية للتعرف على القافية وإعطاء أمثلة عليها ووعي الكلمات والمقاطع وتمييز الصوت الأول والأخير وتحليل الكلمات وتركيبها، بما يكشف عن سعي بحثي لتوفير أدوات ملائمة لخصائص اللغة العربية بدل الاكتفاء بنقل المقاييس الأجنبية.

    ومن هنا، تنبني الممارسة التربوية الرشيدة على توظيف أنشطة لعبية تستثمر ميل الطفل الطبيعي إلى اللغة والنغم والإيقاع؛ فالأناشيد والقصص الرقمية التفاعلية والألعاب الصوتية تشكل مداخل فعالة لتنمية هذه المهارات في سياق طبيعي ممتع، وقد أثبتت دراسة بدر الدين فاعلية توظيف القصص الرقمية التفاعلية في علاج قصور الوعي الصوتي البصري وتعزيز الثقة بالنفس لدى أطفال الروضة، بما يكشف عن جدوى الدمج بين البعد الصوتي والبعد البصري في عرض اللغة؛ كما يُوصى بأن يكون التدريس صريحاً ومنظماً، يستهدف مهارة أو اثنتين في كل مرة، ويربط الأصوات برموزها الحرفية، ويعتمد على المجموعات الصغيرة لتحقيق أكبر قدر من التفاعل والتغذية الراجعة؛ إذ بينت المراجعة التحليلية لإيهري وزملائها أن التعليم المصحوب بالحروف أوقع أثراً من التعليم المجرد عنها، وأن الجرعات المكثفة قصيرة المدى تفوق الامتداد الطويل غير المركّز.

    وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن مهارات الوعي الصوتي تشكل بناءً معرفياً قابلاً للتشكيل بالتعليم المباشر في الطفولة المبكرة، وأن ما يكتسبه الطفل من حساسية صوتية قبل دخول المدرسة يظل رصيداً ينعكس على تعلّمه القراءة والكتابة في السنوات اللاحقة؛ ويتطلب ذلك تكاتف الأسرة وروضة الأطفال في توفير بيئة غنية لغوياً، تستمع إلى الطفل وتشجعه على اللعب بالكلمات والأصوات، وتنتبه إلى مؤشرات الضعف مبكراً قبل أن تتحول إلى صعوبات مزمنة، فالقراءة المبكرة المشتركة بين الوالدين والطفل، والحوار اليومي، والتكرار الممتع للقوافي، كلها مداخل تُغذي هذه الحساسية بصورة ضمنية؛ وبذلك يتحول الوعي الصوتي من مفهوم نظري في الأدبيات العلمية إلى ممارسة يومية تحرس بوابة الطفل نحو عالم القراءة، وتؤسس لعلاقة إيجابية تمتد مع اللغة المكتوبة طوال مساره التعليمي.

    *ماجستير، مديرة مدرسة طيبة للطفولة المبكرة، مدربة معتمدة.