الشهر: يوليو 2026

  • كيف تحمي طفلك من إدمان الشاشات في العصر الرقمي

    لم تعد الشاشات مجرد وسيلة للترفيه أو مشاهدة الرسوم المتحركة، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للأطفال، إذ يستخدمونها في التعلم، والتواصل، واللعب، ومتابعة المحتوى المرئي، والبحث عن المعلومات، حتى أصبحت ترافقهم في معظم ساعات اليوم. ومع هذا الانتشار الواسع، بدأ كثير من الآباء يلاحظون تغيرات في سلوك أبنائهم، مثل صعوبة الابتعاد عن الأجهزة، أو الغضب عند إيقافها، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة الأخرى، وهي مؤشرات تستحق الانتباه قبل أن تتحول إلى مشكلة تؤثر في نمو الطفل وتوازنه النفسي والاجتماعي.

    وتشير دراسات تربوية عديدة إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود الأجهزة الرقمية نفسها، وإنما في طريقة استخدامها، والمدة التي يقضيها الطفل أمام الشاشة، ونوعية المحتوى الذي يشاهده. فالتقنية أصبحت جزءًا من العالم الحديث، ولا يمكن عزل الأطفال عنها بصورة كاملة، لكن يمكن تعليمهم كيفية استخدامها بطريقة صحية تحقق الفائدة وتحد من الأضرار، وهو ما يتطلب تعاونًا مستمرًا بين الأسرة والمدرسة، مع مراعاة المرحلة العمرية لكل طفل واحتياجاته النفسية والتعليمية.

    ويبدأ تعلق الطفل بالشاشات غالبًا في سن مبكرة، عندما يكتشف أن الهاتف أو الجهاز اللوحي يوفر له صورًا متحركة، وألوانًا جذابة، وأصواتًا متنوعة، وألعابًا تمنحه شعورًا بالمتعة والإنجاز السريع. ويزداد هذا التعلق عندما تتحول الأجهزة إلى وسيلة لإشغال الطفل كلما شعر بالملل أو البكاء، فيعتاد أن يجد في الشاشة الحل الفوري لكل لحظة فراغ، دون أن يتعلم طرقًا أخرى للتسلية أو الاستكشاف أو التفاعل مع البيئة المحيطة.

    كما أن تصميم كثير من التطبيقات والألعاب يعتمد على أساليب تجذب الانتباه باستمرار، مثل المكافآت الفورية، والمراحل المتتالية، والألوان الزاهية، والتنبيهات المتكررة، وهو ما يدفع الطفل إلى الرغبة في الاستمرار لفترات أطول. ومع مرور الوقت، قد يصبح الابتعاد عن الجهاز أمرًا صعبًا بالنسبة إليه، ليس لأنه يحتاج إليه فعلًا، وإنما لأنه اعتاد على مستوى معين من التحفيز السريع الذي لا يجده في الأنشطة اليومية العادية.

    ولا يقتصر تأثير الاستخدام المفرط للشاشات على الجانب النفسي فقط، بل يمتد إلى الصحة الجسدية أيضًا، إذ يؤدي الجلوس الطويل إلى قلة الحركة، وقد يزيد من احتمالية زيادة الوزن، وضعف اللياقة البدنية، وآلام الرقبة والظهر، وإجهاد العينين، كما أن استخدام الأجهزة قبل النوم قد يؤثر في جودة النوم، ويؤدي إلى صعوبة الاستغراق فيه أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل، وهو ما ينعكس على نشاط الطفل وتركيزه خلال اليوم التالي.

    ومن الناحية النفسية، قد يلاحظ الوالدان أن الطفل يصبح أكثر انفعالًا، أو أقل صبرًا، أو سريع الغضب عندما يطلب منه إغلاق الجهاز، كما قد تقل رغبته في اللعب مع أقرانه أو المشاركة في الأنشطة الأسرية، ويزداد ميله إلى العزلة، خاصة إذا كان يقضي معظم وقته في الألعاب الإلكترونية أو مشاهدة المحتوى دون تفاعل حقيقي مع الآخرين. وهذا التغير لا يحدث بصورة مفاجئة، بل يتطور تدريجيًا مع استمرار الاستخدام غير المنظم.

    وتتأثر القدرات الذهنية للطفل أيضًا بطريقة استخدامه للشاشات، فالمحتوى السريع والمتغير باستمرار قد يجعل الطفل يعتاد على الانتقال السريع بين المشاهد، مما يقلل قدرته على التركيز لفترات طويلة أثناء الدراسة أو القراءة أو أداء الواجبات المدرسية. ولهذا يؤكد المختصون أهمية تنويع الأنشطة اليومية، حتى يتدرب الطفل على الصبر، والانتباه، والتفكير المتأني، وهي مهارات لا تقل أهمية عن اكتساب المعرفة نفسها.

    ولا يعني ذلك أن جميع استخدامات الأجهزة الرقمية ضارة، فهناك تطبيقات تعليمية عالية الجودة تساعد الأطفال على تعلم اللغات، وتنمية مهارات القراءة، واكتساب مفاهيم الرياضيات والعلوم بطريقة ممتعة، لكن الفرق يكمن في اختيار المحتوى المناسب، وتحديد الوقت المخصص للاستخدام، ومشاركة الوالدين للطفل أثناء التعلم، لأن هذه المشاركة تحول التقنية إلى وسيلة للحوار والتفاعل بدلًا من أن تصبح نشاطًا فرديًا يبتعد فيه الطفل عن أسرته.

    ومن المهم أن يدرك الوالدان أن القدوة تؤثر في الأطفال أكثر من التعليمات المباشرة، فإذا كان أفراد الأسرة يقضون معظم أوقاتهم أمام الهواتف، فمن الصعب إقناع الطفل بتقليل استخدامه لها. أما عندما يرى الطفل والديه يقرآن كتابًا، أو يمارسان الرياضة، أو يتحاوران مع أفراد الأسرة، فإنه يكتسب هذه السلوكيات بصورة تلقائية، ويصبح أكثر استعدادًا لتقليدها في حياته اليومية.

    ولكي تنجح الأسرة في الحد من الاستخدام المفرط للشاشات، فإن الخطوة الأولى تتمثل في وضع قواعد واضحة ومتفق عليها بين جميع أفراد الأسرة، بحيث يعرف الطفل الوقت المخصص لاستخدام الأجهزة، والوقت الذي ينبغي أن يخصص للدراسة، واللعب، والقراءة، والنشاط البدني، والنوم. وعندما تكون هذه القواعد ثابتة وتطبق على الجميع، فإن الطفل يتقبلها بصورة أفضل، ويشعر بأنها جزء من نظام الأسرة وليست عقوبة موجهة إليه.

    ومن المفيد أن يبدأ الوالدان بتنظيم البيئة المنزلية، فلا تكون الأجهزة الإلكترونية متاحة في كل مكان، ولا يسمح باستخدامها أثناء تناول الطعام أو خلال الجلسات الأسرية، لأن هذه الأوقات تمثل فرصة ثمينة للحوار، وتبادل الحديث، وتعزيز الروابط العائلية. كما يفضل إبعاد الهواتف والأجهزة اللوحية عن غرفة نوم الطفل، حتى لا تتحول إلى وسيلة تؤخر النوم أو تقلل من جودته.

    ويحتاج الطفل إلى بدائل ممتعة تشجعه على الابتعاد عن الشاشة، فلا يكفي أن يطلب منه إغلاق الجهاز دون توفير أنشطة أخرى تجذب اهتمامه. ويمكن للأسرة أن تخصص وقتًا للرسم، أو الألعاب الجماعية، أو القراءة المشتركة، أو الأعمال اليدوية، أو ممارسة الرياضة، أو الرحلات القصيرة، لأن هذه الأنشطة تمنح الطفل متعة حقيقية، وتسهم في تنمية مهاراته العقلية والاجتماعية والحركية في الوقت نفسه.

    كما يفضل إشراك الطفل في اختيار هذه الأنشطة، لأن مشاركته في اتخاذ القرار تزيد من التزامه بها، وتشعره بأن رأيه محل تقدير. ويمكن أيضًا وضع جدول أسبوعي يتضمن أوقاتًا محددة للأنشطة المختلفة، بحيث يدرك الطفل أن يومه مليء بالخيارات المتنوعة، ولا يعتمد على الشاشة بوصفها الوسيلة الوحيدة للترفيه.

    ويؤدي الحوار الهادئ دورًا مهمًا في تغيير سلوك الطفل، إذ ينبغي أن يشرح الوالدان بلغة بسيطة الأسباب التي تدعو إلى تقليل وقت استخدام الأجهزة، مع التركيز على الفوائد التي سيحصل عليها، مثل تحسين النوم، وزيادة النشاط، وتوفير وقت أكبر للعب والتعلم والتواصل مع الأصدقاء. أما أسلوب المنع المفاجئ أو العقاب القاسي، فقد يدفع الطفل إلى العناد أو استخدام الأجهزة خفية، وهو ما يزيد المشكلة تعقيدًا.

    ومن الوسائل الفعالة أيضًا تشجيع الطفل على ممارسة الهوايات التي تنسجم مع اهتماماته، فهناك من يفضل الرسم، وآخر يحب القراءة، أو الزراعة المنزلية، أو تركيب المجسمات، أو تعلم العزف، أو ممارسة الرياضة. وعندما يجد الطفل نشاطًا يشعره بالإنجاز والمتعة، تقل حاجته إلى قضاء ساعات طويلة أمام الشاشة، لأنه أصبح يمتلك مصدرًا آخر للإشباع النفسي والذهني.

    ويستحسن أن يراقب الوالدان نوعية المحتوى الذي يشاهده الطفل، وأن يختارا التطبيقات التعليمية والترفيهية المناسبة لعمره، مع تفعيل أدوات الرقابة الأبوية عند الحاجة. كما ينبغي تشجيع الطفل على التحدث عن المحتوى الذي يشاهده، ومناقشته فيه، حتى يعتاد التفكير فيما يتلقاه، ولا يكتفي بالمشاهدة السلبية أو التقليد دون وعي.

    ولا يقل دور المدرسة أهمية عن دور الأسرة، إذ تستطيع غرس ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية من خلال توعية الطلاب بمخاطر الإفراط في استخدام الشاشات، وتعليمهم مهارات إدارة الوقت، وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، بما يحقق توازنًا صحيًا بين العالم الرقمي والحياة الواقعية.

    ومن المهم أن يدرك الآباء أن التخلص من العادات غير الصحية يحتاج إلى وقت وصبر، فلا ينبغي توقع تغير سلوك الطفل خلال أيام قليلة. فالنجاح يتحقق بالتدرج، والثبات، والتشجيع المستمر، والاحتفاء بالإنجازات الصغيرة، لأن بناء العادات الإيجابية عملية تربوية طويلة تعتمد على التعاون والثقة أكثر من اعتمادها على الأوامر والعقوبات.

    وعندما تنجح الأسرة في تحقيق هذا التوازن، فإن الطفل يتعلم أن التقنية أداة نافعة إذا استخدمت باعتدال، وأن حياته لا تقتصر على العالم الرقمي، بل تشمل الأسرة، والأصدقاء، والمدرسة، والهوايات، والقراءة، والرياضة، والتجارب اليومية التي تسهم في بناء شخصيته، وتعزز ثقته بنفسه، وتمنحه المهارات التي يحتاج إليها ليصبح فردًا متوازنًا وقادرًا على التعامل مع تحديات المستقبل بثقة ووعي.

     

  • الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأطفال الفوائد والمخاطر

    على المتخصصين في علوم الحاسوب أو الباحثين في مراكز التقنية بل دخل إلى البيوت والمدارس والهواتف والأجهزة اللوحية وألعاب الأطفال وتطبيقات التعلم حتى بات الطفل يتعامل معه بصورة مباشرة أو غير مباشرة منذ سنواته الأولى وهذا الواقع الجديد يفرض على الأسرة والمعلمين والمربين فهم طبيعة هذه التقنية وآثارها الإيجابية والسلبية حتى يكون استخدامها وسيلة لتنمية قدرات الطفل وليس سببًا في ظهور مشكلات تربوية أو نفسية أو اجتماعية يصعب علاجها لاحقًا

    فالطفل في العصر الرقمي ينشأ داخل بيئة تختلف كثيرًا عن البيئة التي عاش فيها آباؤه إذ أصبحت المعرفة متاحة بضغطة زر وأصبح الوصول إلى المعلومة أسرع من أي وقت مضى كما ظهرت تطبيقات قادرة على الإجابة عن الأسئلة وشرح الدروس وتصحيح الأخطاء واقتراح الأنشطة التعليمية المناسبة لكل طفل بحسب عمره ومستواه الدراسي واهتماماته وهذا التطور فتح آفاقًا واسعة أمام التعليم والتدريب وتنمية المهارات وجعل التعلم أكثر مرونة ومتعة بالنسبة إلى الأطفال

    وتشير التجارب التعليمية الحديثة إلى أن استخدام التقنيات الذكية بطريقة مدروسة يساعد الطفل على التفاعل مع المحتوى بصورة أفضل لأن البرامج التعليمية الحديثة لم تعد تكتفي بعرض النصوص والصور بل أصبحت تقدم محتوى تفاعليًا يجذب انتباه الطفل ويشجعه على الاستمرار في التعلم كما أنها تمنحه تغذية راجعة مباشرة تساعده على معرفة أخطائه والعمل على تصحيحها دون شعور بالإحراج أو الخوف من الفشل

    ويتميز الذكاء الاصطناعي بقدرته على تحليل مستوى الطفل وتقديم أنشطة تتناسب مع احتياجاته الفردية فإذا كان الطفل متقدمًا في القراءة قدم له نصوصًا أكثر صعوبة وإذا كان يحتاج إلى دعم في الرياضيات وفر له تدريبات إضافية تساعده على تجاوز نقاط الضعف وهذا النوع من التعليم الشخصي كان من الصعب تحقيقه داخل الصفوف التقليدية التي تضم أعدادًا كبيرة من الطلاب وتختلف مستوياتهم بصورة واضحة

    كما أصبح من الممكن أن يستفيد الأطفال من تطبيقات تعليم اللغات التي تعتمد على المحادثة الفورية وتصحيح النطق ومراجعة الأخطاء بطريقة تلقائية وهو ما يساعد الطفل على اكتساب مهارات جديدة من خلال الممارسة اليومية بدلًا من الاعتماد على الحفظ فقط كما أن بعض البرامج تتيح للطفل إجراء تجارب علمية افتراضية أو زيارة أماكن تاريخية من خلال تقنيات المحاكاة الأمر الذي يجعل التعلم أكثر واقعية ويزيد من ارتباط الطفل المعلومة

    ومن الجوانب التي يلاحظها كثير من الآباء أن الأطفال يشعرون بحماس أكبر عند استخدام الوسائل التعليمية الرقمية مقارنة بالطرق التقليدية ويرجع ذلك إلى أن هذه التطبيقات تعتمد على عناصر التشويق والتحدي والمكافآت التدريجية مما يحفز الطفل على مواصلة التعلم وتحقيق أهداف جديدة ويمنحه شعورًا بالإنجاز في كل مرحلة ينجزها

    ولا تقتصر فوائد الذكاء الاصطناعي على الجانب الدراسي بل تمتد إلى تنمية الإبداع والابتكار إذ يستطيع الطفل استخدام أدوات الرسم والتصميم وكتابة القصص وصناعة العروض التعليمية وإنتاج المقاطع الصوتية بطريقة سهلة تساعده على التعبير عن أفكاره وتنمية خياله كما تشجعه على التجريب واكتشاف حلول مختلفة للمشكلات التي تواجهه وهو ما يسهم في بناء شخصية مستقلة قادرة على التفكير والإبداع

    وتساعد هذه الأدوات أيضًا الأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعلم أو مشكلات في التواصل حيث توفر لهم وسائل بديلة للتعبير عن أفكارهم وتمنحهم فرصة للتعلم وفق قدراتهم الخاصة دون الشعور بالفروق بينهم وبين أقرانهم كما أن بعض التطبيقات صممت خصيصًا لدعم الأطفال من ذوي الاحتياجات التعليمية المختلفة من خلال واجهات بسيطة وأنشطة تتناسب مع إمكاناتهم

    ورغم كل هذه الفوائد فإن نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي مع الأطفال لا يعتمد على التقنية وحدها وإنما يعتمد قبل كل شيء على وعي الأسرة ودور المدرسة فالتقنية مهما بلغت من التطور لا تستطيع أن تحل محل العلاقة الإنسانية بين الطفل ووالديه أو بينه وبين معلمه لأن الطفل يحتاج إلى الحوار والتشجيع والاحتواء واكتساب القيم والسلوكيات من خلال القدوة والممارسة اليومية وليس من خلال الشاشة وحدها

    ولهذا ينبغي أن يتعامل الآباء مع التطبيقات الذكية باعتبارها أدوات مساعدة وليست بديلًا عن التربية أو التعليم المباشر فحين يشارك الأب أو الأم الطفل أثناء استخدام هذه الوسائل تتحول التجربة إلى فرصة للحوار والنقاش وطرح الأسئلة وتصحيح المفاهيم بينما يؤدي ترك الطفل بمفرده أمام الأجهزة لفترات طويلة إلى نتائج قد تكون عكسية حتى لو كان المحتوى في ظاهره تعليميًا

    ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء الاعتقاد بأن استخدام التطبيقات التعليمية طوال اليوم سيجعل الطفل أكثر ذكاءً بينما تؤكد الدراسات التربوية أن نمو الطفل يعتمد على تنوع الخبرات التي يمر بها فهو يحتاج إلى اللعب الحر والحركة والرياضة والقراءة الورقية والتفاعل مع أفراد الأسرة والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية لأن هذه الخبرات مجتمعة تسهم في بناء شخصيته بصورة متوازنة ولا يمكن لأي تقنية أن تعوضها مهما بلغت درجة تطورها

    كما أن الطفل يحتاج إلى تعلم مهارة التفكير النقدي منذ سن مبكرة حتى لا يتعامل مع كل ما تعرضه التطبيقات على أنه حقيقة مطلقة فمن المهم أن يعتاد على طرح الأسئلة والبحث عن مصادر متعددة للمعلومة ومناقشة ما يقرأه أو يشاهده مع والديه أو معلميه لأن الذكاء الاصطناعي قد يقدم معلومات غير دقيقة أو غير مناسبة للسياق إذا استخدم بطريقة غير صحيحة ولذلك يبقى دور الإنسان أساسيًا في التحقق والتوجيه واتخاذ القرار.

    ويعد الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي من أكثر التحديات التي تستحق اهتمام الأسرة لأن الطفل قد يعتاد الحصول على الإجابات الجاهزة فيفقد تدريجيًا الرغبة في البحث والمحاولة والتجربة وهي مهارات أساسية في بناء الشخصية العلمية فالتعلم الحقيقي لا يقوم على الوصول السريع إلى الإجابة فقط وإنما يعتمد على رحلة التفكير التي تسبقها وما يصاحبها من ملاحظة وتحليل ومقارنة واستنتاج ولذلك ينبغي تشجيع الطفل على استخدام هذه الأدوات بوصفها وسيلة للاستكشاف وليس طريقًا مختصرًا لتجاوز الجهد الذهني

    وقد يواجه بعض الأطفال صعوبة في التمييز بين المحتوى الصحيح والمحتوى غير الدقيق خاصة في المراحل العمرية المبكرة إذ إنهم يميلون إلى تصديق ما يعرض أمامهم إذا جاء في صورة جذابة أو بصوت مقنع ولهذا يصبح من الضروري أن يرافق الكبار أبناءهم عند استخدام التطبيقات الذكية وأن يناقشوا معهم المعلومات التي يحصلون عليها وأن يعلموهم كيفية التحقق من المصادر وعدم الاعتماد على مصدر واحد في كل ما يتعلق بالدراسة أو المعرفة العامة

    ومن الجوانب التي تستحق الانتباه أيضًا مسألة الخصوصية الرقمية فالكثير من التطبيقات تجمع بيانات عن المستخدمين من أجل تحسين خدماتها وقد لا يدرك الطفل طبيعة هذه البيانات أو طريقة استخدامها ولذلك ينبغي للوالدين قراءة سياسات الخصوصية واختيار التطبيقات الموثوقة والحد من مشاركة المعلومات الشخصية وعدم السماح للطفل باستخدام أي منصة قبل التأكد من أنها مناسبة لعمره وتحترم خصوصيته

    كما أن الجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات قد ينعكس على صحة الطفل الجسدية والنفسية فقد يؤدي إلى قلة الحركة واضطرابات النوم وإجهاد العينين وضعف التواصل الاجتماعي إذا أصبح الاستخدام بديلاً عن اللعب مع الأصدقاء أو ممارسة الهوايات أو التفاعل مع أفراد الأسرة ولهذا ينصح الخبراء بأن يكون استخدام الأجهزة جزءًا من برنامج يومي متوازن يضم أنشطة متنوعة داخل المنزل وخارجه

    ويلاحظ المربون أن الأطفال الذين يحافظون على توازن بين التعلم الرقمي والأنشطة الواقعية يكتسبون مهارات اجتماعية أفضل ويصبحون أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم والتعاون مع الآخرين وحل المشكلات اليومية بينما يؤدي الانغماس الكامل في العالم الرقمي إلى تقليل فرص الاحتكاك بالمواقف الحياتية التي تصنع الخبرة وتنمي الثقة بالنفس

    ومن المهم أن يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك مشاعر ولا قيمًا ولا ضميرًا وإنما يقدم نتائج تعتمد على البيانات التي تمت برمجته عليها ولذلك فإن الإنسان يبقى المسؤول عن اتخاذ القرار الصحيح وعن تقييم المعلومات واختيار ما يناسبه وهذا الفهم يساعد الطفل على بناء علاقة صحية مع التقنية تقوم على الاستفادة منها دون أن يفقد استقلالية تفكيره أو قدرته على الحكم على الأمور

    ويستطيع الوالدان تحويل استخدام الذكاء الاصطناعي إلى نشاط أسري ممتع من خلال البحث مع الأبناء عن معلومة جديدة أو كتابة قصة قصيرة أو ابتكار لعبة تعليمية ثم مناقشة النتائج ومقارنتها بأفكار الطفل الخاصة لأن هذا الأسلوب يعزز روح الحوار ويشجع الطفل على التعبير عن رأيه ويعلمه أن التقنية يمكن أن تكون وسيلة للإبداع عندما تستخدم بصورة صحيحة

    كما يمكن للمعلمين الاستفادة من هذه الأدوات في تصميم أنشطة تراعي الفروق الفردية بين الطلاب وتساعدهم على المشاركة داخل الصف وتقديم تغذية راجعة سريعة حول مستوى الأداء مع المحافظة على دور المعلم بوصفه قائدًا للعملية التعليمية ومرشدًا يوجه الطلاب نحو التفكير السليم ويغرس فيهم القيم والأخلاق واحترام حقوق الآخرين

    ولكي تحقق الأسرة أكبر فائدة من الذكاء الاصطناعي ينبغي وضع قواعد واضحة للاستخدام تتضمن تحديد أوقات مناسبة لاستعمال الأجهزة واختيار التطبيقات التعليمية الموثوقة وتشجيع الطفل على ممارسة الرياضة والقراءة والأنشطة الفنية واللعب الجماعي بحيث يشعر أن التقنية جزء من حياته وليست الحياة كلها كما يستحسن أن يشارك الأبوان أبناءهما في اكتشاف التطبيقات الجديدة ومناقشة فوائدها ومخاطرها حتى تبقى جسور التواصل قائمة داخل الأسرة

    ومن المفيد أيضًا تعليم الطفل أن يطرح أسئلة جيدة بدلًا من الاكتفاء بطلب الإجابة لأن جودة السؤال تقود غالبًا إلى جودة التعلم فالطفل الذي يتعلم كيف يستفسر ويقارن ويحلل ويعيد صياغة أفكاره سيكون أكثر قدرة على الاستفادة من الأدوات الذكية وأكثر استعدادًا للتعامل مع تحديات المستقبل التي تتطلب الإبداع والمرونة والقدرة على التعلم المستمر

    ولا ينبغي أن يقتصر الحديث عن الذكاء الاصطناعي على مخاطره أو فوائده فقط لأن النظرة المتوازنة هي الأكثر واقعية فهذه التقنية مثل كثير من الابتكارات الإنسانية يمكن أن تكون وسيلة للبناء أو الهدم بحسب طريقة استخدامها والبيئة التي توظف فيها ومدى وعي المستخدم بها ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في التقنية وحدها بل في إعداد الطفل ليصبح قادرًا على استخدامها بمسؤولية وحكمة واحترام للآخرين

    إن الأطفال الذين ينشؤون على الاستخدام الواعي للتقنيات الحديثة سيكونون أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات المستقبل لأنهم سيتعلمون كيف يوظفون المعرفة لخدمة أهدافهم وكيف يحافظون في الوقت نفسه على قيمهم الإنسانية ومهاراتهم الاجتماعية وقدرتهم على التفكير المستقل وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه الأسرة والمدرسة معًا في عصر يتغير بوتيرة متسارعة وتظهر فيه أدوات جديدة كل يوم تقريبًا

    وفي النهاية يبقى الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لتطوير التعليم وتنمية مهارات الأطفال إذا أحسن الكبار توجيهه ووضعوا له الضوابط المناسبة فالطفل يحتاج إلى المعرفة كما يحتاج إلى القيم ويحتاج إلى التقنية كما يحتاج إلى الحوار ويحتاج إلى التعلم الرقمي كما يحتاج إلى التجربة الواقعية وعندما يتحقق هذا التوازن يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في بناء جيل قادر على التعلم والإبداع والمشاركة الإيجابية في صناعة مستقبل أكثر تقدمًا وإنسانية

  • دور الأناشيد في غرس القيم والأخلاق لدى أطفال رياض الأطفال

    تُعَدّ التربية في جوهرها عملية بناء حضاري شاملة تستهدف إعداد الإنسان ليكون قادراً على التفاعل مع مجتمعه وثقافته تفاعلاً إيجابياً يعكس منظومة من المبادئ والمثل العليا التي تواضعت عليها الجماعة البشرية عبر تاريخها الطويل, وقد أدرك المفكرون والمربّون منذ أقدم العصور أن التربية لا تقتصر على نقل المعارف والمعلومات إلى الأجيال الناشئة؛ بل تمتد لتشمل تهذيب النفوس وصقل الوجدان وتشكيل الضمير الأخلاقي الذي يوجّه سلوك الفرد في مواقف الحياة المختلفة, ولأن المجتمعات الإنسانية تتباين في ثقافاتها ومعتقداتها فإنها تتفق في حاجتها إلى منظومة أخلاقية تحفظ تماسكها وتصون كرامة أفرادها؛ وهو ما يجعل غرس القيم الأخلاقية هدفاً مشتركاً بين الفلسفات التربوية على اختلاف مشاربها, وحين ننتقل من هذا الإطار العام إلى الحقل التربوي المتخصص نجد أن مرحلة الطفولة المبكرة تحتل مكانة استثنائية في هذا السياق؛ إذ تُشير الأدبيات التربوية والنفسية إلى أن السنوات الست الأولى من عمر الإنسان تُشكّل الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته بأبعادها المعرفية والوجدانية والسلوكية كافة, وقد أكد بياجيه في نظريته حول النمو المعرفي أن الطفل في هذه المرحلة يمر بتحولات عقلية جوهرية تجعله شديد التأثر بالخبرات المحسوسة والتجارب المباشرة التي يعيشها في بيئته؛ كما أوضح كولبرج أن النمو الأخلاقي يبدأ في مراحله الأولى باستجابة الطفل للثواب والعقاب ثم يتطور تدريجياً نحو استيعاب القواعد الاجتماعية وتبنيها ذاتياً, وتأسيساً على ذلك فإن مؤسسات رياض الأطفال تتحمل مسؤولية كبرى في اختيار الأساليب والوسائل التربوية الملائمة التي تُراعي خصائص نمو الطفل في هذه المرحلة وتوظفها لغرس القيم الأخلاقية بصورة تلقائية محببة إلى نفسه؛ وهنا تبرز الأناشيد بوصفها واحدة من أقدم الأدوات التربوية وأكثرها تأثيراً في وجدان الطفل وسلوكه.

    والأناشيد في حقيقتها نص أدبي موزون يجمع بين الكلمة المنتقاة واللحن والإيقاع المنتظم؛ مما يمنحها قدرة فريدة على الوصول إلى الطفل من بوابة المتعة والبهجة قبل بوابة التعليم والتلقين, وقد أشار غير واحد من الباحثين إلى أن الأنشودة تخاطب حواس الطفل المتعددة في آن واحد؛ فهو يسمع الكلمات ويستشعر الإيقاع ويتفاعل جسدياً مع اللحن عبر الحركة والتصفيق؛ وهذا التعدد الحسي يجعل الرسالة القيمية المتضمنة في الأنشودة تترسخ في ذاكرته بعمق يفوق ما تحققه الأساليب اللفظية المباشرة كالوعظ والإرشاد, ويُعزز هذا الطرح أن الأطفال الذين تعرضوا لبرنامج أناشيد منظم أظهروا تحسناً ملحوظاً في سلوكياتهم الاجتماعية مقارنة بأقرانهم الذين لم يخضعوا لهذا البرنامج؛ وهو ما يؤكد أن الأنشودة تتجاوز كونها نشاطاً ترفيهياً لتصبح وسيطاً تربوياً فاعلاً في تشكيل البنية القيمية للطفل.

    ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بالآلية التي تعمل من خلالها الأنشودة في غرس القيم الأخلاقية؛ وللإجابة عن ذلك ينبغي استحضار عدة أبعاد نفسية وتربوية متداخلة, فمن الناحية النفسية يميل الطفل في مرحلة رياض الأطفال إلى التقليد والمحاكاة بحسب ما أوضحه باندورا في نظرية التعلم الاجتماعي؛ والأنشودة حين تقدم نموذجاً سلوكياً إيجابياً عبر شخصية محببة أو موقف درامي بسيط فإنها تُهيئ للطفل فرصة الاندماج معه واستلهام قيمه؛ فالطفل الذي يردد أنشودة تحكي عن صدق طفل مع أصدقائه يتقمص هذا الدور وجدانياً ويسعى لمحاكاته سلوكياً في مواقفه اليومية, وتتضاعف قوة هذا التأثير حين يُصاحب الأنشودة أداء تمثيلي أو حركات إيقاعية تُشرك جسد الطفل في التجربة؛ إذ يتحول الطفل من متلقٍّ سلبي إلى مشارك نشط يعيش القيمة بكل حواسه؛ فضلا عن  أن الأناشيد المصحوبة بالحركة والتمثيل حققت أثراً أعمق في إكساب أطفال الروضة قيم التعاون والنظام واحترام الآخرين مقارنة بالأناشيد التي اقتصرت على الترديد اللفظي.

    ومن زاوية أخرى يؤدي التكرار المتضمن في بنية الأنشودة دوراً بالغ الأهمية في ترسيخ القيمة؛ فالأنشودة بطبيعتها تعتمد على إعادة المقاطع  وتكرارها؛ وهذا التكرار لا يُمارس على الطفل ضغطاً أو إكراهاً بل يأتي في سياق اللعب والمتعة؛ فيحفظ الطفل العبارات القيمية ويرددها طوعاً في أوقات مختلفة حتى تصبح جزءاً من خطابه اليومي ومن ثم جزءاً من بنيته الفكرية والوجدانية, ذلك  أن اللغة تلعب دوراً محورياً في تنظيم تفكير الطفل وتوجيه سلوكه؛ والأناشيد تمد الطفل بمفردات وتعبيرات أخلاقية تُثري قاموسه اللغوي وتمنحه أدوات رمزية للتفكير في المواقف الأخلاقية والحكم عليها؛ فالطفل الذي يعرف كلمات مثل الأمانة والإيثار والرفق يستطيع تسمية هذه القيم والتعرف عليها في سلوكه وسلوك الآخرين؛ وهذا الوعي اللغوي يُعد خطوة ضرورية نحو الوعي الأخلاقي الناضج.

    وفي إطار التطبيق الميداني نجد أن  معلمات رياض الأطفال في المملكة العربية السعودية غالبا يُدركن القيمة التربوية للأناشيد في غرس القيم الأخلاقية؛ غير أن توظيفهن لها يبقى في كثير من الأحيان عشوائياً وغير مرتبط بأهداف قيمية محددة, وهذه النتيجة تُلقي الضوء على فجوة حقيقية بين الإدراك النظري والممارسة الفعلية؛ إذ لا يكفي أن تُردد الأناشيد في قاعات الروضة بصورة عشوائية بل ينبغي أن تُنتقى بعناية وأن تُوظف ضمن خطة تربوية مدروسة تربط كل أنشودة بقيمة محددة وتُتبعها بأنشطة تعزيزية كالحوار والقصة والتمثيل الدرامي؛ بحيث يعيش الطفل القيمة في سياقات متنوعة تُعمّق فهمه لها وتُيسّر انتقالها إلى سلوكه الفعلي, وقد اقترح الناشف في كتابه عن مناهج رياض الأطفال أن تُصنّف الأناشيد وفق المحاور القيمية التي تخدمها؛ كأن تكون هناك أناشيد لقيم العلاقة مع الله وأخرى لقيم العلاقة مع الذات وثالثة لقيم العلاقة مع الآخرين ورابعة لقيم العلاقة مع البيئة؛ وهذا التصنيف يُعين المعلمة على اختيار الأنشودة المناسبة للموقف التعليمي المناسب.

    وثمة بعد آخر لا يقل أهمية يتصل بمضمون الأنشودة وشكلها الفني؛ فالأنشودة التي تُقدّم القيمة بأسلوب وعظي مباشر قد تُثير ملل الطفل ونفوره؛ في حين أن الأنشودة التي تُغلّف القيمة بإطار قصصي شائق أو حواري مرح أو تصويري خيالي تجذب انتباه الطفل وتُشركه عاطفياً في المضمون فيتشربه دون أن يشعر بأنه يتلقى درساً أخلاقياً, بالإضافة إلى  أن أجود الأناشيد هي تلك التي تحترم ذكاء الطفل وتُقدّم له القيمة في قالب جمالي يُنمّي ذوقه الأدبي في الوقت ذاته الذي يُهذّب فيه سلوكه؛ فالجمال والأخلاق يلتقيان في الأنشودة الجيدة ليُشكّلا تجربة متكاملة تُغني شخصية الطفل من جوانبها المتعددة.

     

    ولا بد من الإشارة إلى أن فاعلية الأنشودة في غرس القيم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناخ التربوي الذي تُقدّم فيه؛ فالمعلمة التي تردد الأنشودة بحماس وتتفاعل مع كلماتها وتعيش مضمونها أمام الأطفال تمنح الأنشودة مصداقية وحيوية تُضاعف تأثيرها؛ بينما المعلمة التي تُلقيها بصورة آلية روتينية تُفرغها من شحنتها الوجدانية وتحولها إلى نشاط شكلي لا أثر له في نفوس الأطفال, كذلك فإن التعاون بين الروضة والأسرة يُعزز أثر الأنشودة؛ فحين يسمع الطفل الأنشودة ذاتها في البيت ويلاحظ أن والديه يُقدّران مضمونها ويُطبّقان قيمها فإنه يتلقى رسالة متسقة من بيئتيه الأساسيتين؛ وهذا الاتساق يُسرّع عملية تبني القيمة واستقرارها في بنيته النفسية كما أوضح برونفنبرنر في نظريته البيئية حول نمو الطفل.

                  ومما يستحق التأمل أيضاً أن الأناشيد تُسهم في بناء الهوية الثقافية والدينية للطفل؛ فالأنشودة التي تتغنى بحب الوطن أو تحتفي بالمناسبات الدينية أو تروي سيرة الأبطال والقدوات تُرسّخ في وجدان الطفل شعوراً بالانتماء والفخر يُشكّل إطاراً مرجعياً لقيمه ومعتقداته, لأن أطفال الروضة الذين شاركوا في برنامج أناشيد مستمد من التراث العربي والإسلامي أبدوا وعياً أكبر بقيم التسامح واحترام الكبير والرحمة بالضعيف مقارنة بأقرانهم؛ مما يدل على أن المضمون الثقافي للأنشودة يُضيف بُعداً هوياتياً إلى وظيفتها الأخلاقية.

    وعلى الصعيد الانفعالي تُوفّر الأناشيد للطفل مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره واستكشافها؛ فحين يغني عن الفرح أو الحزن أو الخوف أو الغضب يتعلم تسمية انفعالاته والتعامل معها بصورة صحية؛ وهذا الذكاء الانفعالي يُعد ركيزة أساسية للسلوك الأخلاقي؛ لأن الطفل الذي يفهم مشاعره ومشاعر الآخرين يكون أقدر على التعاطف والإحساس بالمسؤولية تجاههم.

    ومما يحسن أن نلخص فيه ما سبق أن الأناشيد في رياض الأطفال ليست ترفاً تربوياً أو نشاطاً هامشياً يُملأ به الوقت؛ بل هي وسيلة ثرية متعددة الأبعاد تلتقي فيها اللغة بالموسيقى بالحركة بالخيال لتصنع تجربة تربوية متكاملة تُخاطب عقل الطفل ووجدانه وجسده معاً, وحين تُوظَّف هذه الوسيلة توظيفاً مدروساً قائماً على اختيار المضمون القيمي الملائم وتقديمه في قالب فني جذاب ودمجه في سياق تعليمي متكامل ومتابعة أثره في سلوك الأطفال الفعلي؛ فإنها تُصبح أداة حقيقية لغرس القيم الأخلاقية في نفوس الأطفال خلال مرحلة هي الأكثر حساسية وقابلية للتشكيل في حياة الإنسان؛ وبذلك تُسهم الأنشودة في إعداد جيل يحمل في وجدانه بذور الخير والجمال التي تنمو معه وتُثمر في مراحل عمره اللاحقة سلوكاً أخلاقياً راسخاً ومتيناً.

     

    بشير بن نعمان دحان
    11-2-1448

  • دور الأنشطة الحركية في تخفيض درجات العنف لدى أطفال الروضة

    بشير بن نعمان دحان

    الأنشطة الحركية لها دور كبير في تفريغ الطاقات العدوانية لدى الطفل، لأنها تمنحه مجالاً عملياً لتصريف التوتر والانفعال داخل إطار منظم وآمن، بدل أن يتحول ذلك التوتر إلى ضرب أو اندفاع أو صراخ، وقد بينت دراسات عربية في التربية الحركية والبدنية أن ممارسة النشاط البدني الموجه تسهم في خفض السلوك العدواني لدى الأطفال.

    وتقوم الفكرة التربوية هنا على أن الطفل لا يحتاج إلى المنع بقدر ما يحتاج إلى بديل مناسب، فحين يشارك في الجري والقفز والألعاب الجماعية والأنشطة الإيقاعية، فإنه يفرغ جزءاً من الطاقة الزائدة، ويتعلم في الوقت نفسه الانضباط واحترام الدور وقبول القواعد، وهي مهارات تقلل احتمال اللجوء إلى العنف في المواقف اليومية.

    وتزداد فاعلية هذه الأنشطة عندما تكون موجهة تربوياً لا عشوائية، لأن النشاط غير المنظم قد يزيد الارتباك والتنافس، أما النشاط الذي يصحبه شرح واضح وتدرج في الأداء وتشجيع إيجابي، فإنه يساعد الطفل على ضبط انفعالاته واكتساب شعور بالإنجاز، وقد أشارت بحوث متعددة إلى أن البرامج القائمة على اللعب والحركة تحقق أثراً إيجابياً في التخفيف من العدوان والسلوكيات المصاحبة له.

    كما أن للأنشطة الحركية أثراً اجتماعياً لا يقل أهمية عن أثرها الجسدي، فهي تتيح للطفل أن يتعلم التعاون والمشاركة والتفاوض، وتمنحه فرصة لتصحيح صورته عن القوة، فتصبح القوة عنده قدرة على التحكم في النفس لا على إيذاء الآخرين، وتساعده المنافسات البسيطة على تقبل الفوز والخسارة دون غضب مفرط، وهذا ينعكس على سلوكه داخل الأسرة والروضة معاً.

    ومن جهة التطبيق، فإن نجاح هذه الأنشطة يحتاج إلى اختيار ما يناسب عمر الطفل وقدرته، وإلى متابعة المعلم أو المربي أثناء الأداء، حتى لا تتحول الحركة إلى فوضى، كما يفيد إدماج القصص الحركية والألعاب التمثيلية والتمارين الجماعية في تفريغ الشحنات الانفعالية بصورة محببة، وقد أظهرت بعض الدراسات أن الجمع بين الحركة واللعب القصصي يمنح نتائج أفضل في تهذيب السلوك العدواني.

    وعليه، فإن الأنشطة الحركية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة علاجية وتربوية تساعد الطفل على التنفيس الآمن، وبناء الاتزان الانفعالي، وتعلم السلوك الاجتماعي السليم، وكلما جرى تنظيمها داخل الروضة أو البيت بوعي وهدوء، كانت أكثر قدرة على تحويل الطاقة العدوانية إلى طاقة إيجابية نافعة.

     

     

  • مظاهر العنف لدى أطفال الطفولة المبكرة ودور الإدارة المدرسية في علاجها

    بشير بن نعمان دحان

    سلوك العنف لدى أطفال الروضة ظاهرة تربوية معقدة ترتبط ببنية النمو النفسي والاجتماعي ، حيث تتقاطع فيها عوامل داخلية تتعلق بخصائص الطفل الانفعالية والمعرفية مع مؤثرات خارجية تنبع من الأسرة والبيئة التعليمية والمحيط الثقافي، ويظهر هذا السلوك في صور متعددة تشمل الضرب والدفع والعض والصراخ وإتلاف الممتلكات، كما قد يتخذ أحياناً أشكالاً رمزية كالتنمر اللفظي أو الإقصاء الاجتماعي، ويثير هذا التعدد في المظاهر تساؤلات حول جذوره العميقة وآليات التعامل معه داخل المؤسسات التربوية، خاصة أن مرحلة الروضة تمثل اللبنة الأولى في تشكيل أنماط السلوك الاجتماعي وتكوين الاتجاهات الأساسية نحو الذات والآخرين، وهو ما يجعل التعامل مع العنف في هذه المرحلة مسألة تتجاوز الضبط السلوكي إلى بناء الشخصية على أسس متوازنة.

    ويرتبط ظهور العنف لدى الأطفال بجملة من العوامل النمائية التي تؤكدها الدراسات النفسية الحديثة، حيث يشير علماء النفس إلى أن الطفل في هذه المرحلة لم يكتمل لديه بعد ضبط الانفعالات ولا القدرة على التعبير اللفظي الدقيق عن احتياجاته، فيلجأ إلى السلوك العدواني كوسيلة بديلة للتواصل، كما أن ضعف مهارات حل المشكلات يؤدي إلى استخدام القوة بدلاً من الحوار، وتزداد احتمالية هذا السلوك عندما يتعرض الطفل لنماذج عدوانية في محيطه الأسري أو الإعلامي، إذ يكتسب أنماط السلوك عبر التقليد والمحاكاة، وهو ما تؤكده نظرية التعلم الاجتماعي التي ترى أن الأطفال يقلدون ما يشاهدونه من سلوكيات ذات أثر واضح، خاصة إذا ارتبطت بمكافأة أو غياب العقاب، وتؤكد دراسات أخرى أن الإحباط والشعور بعدم الأمان قد يدفعان الطفل إلى التعبير العدواني كآلية دفاعية.

    وتتباين مظاهر العنف داخل بيئة الروضة تبعاً لطبيعة المواقف التربوية، فقد يظهر العنف أثناء اللعب الحر عندما يتنافس الأطفال على الأدوات، أو خلال الأنشطة الجماعية التي تتطلب مشاركة وتعاوناً، كما قد يظهر في أوقات الانتقال بين الأنشطة حين يفتقر الطفل إلى التوجيه الواضح، ويلاحظ أن بعض الأطفال يمارسون العنف بشكل متكرر مما يشير إلى نمط سلوكي مستقر، بينما يظهر لدى آخرين بشكل عرضي مرتبط بمواقف معينة، ويكشف هذا التباين عن ضرورة التمييز بين العنف العابر الناتج عن ضعف المهارات الاجتماعية، والعنف المتكرر الذي قد يرتبط باضطرابات سلوكية أو ضغوط نفسية أعمق.

    ويمثل المناخ الأسري أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل السلوك العدواني، إذ تشير البحوث إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات يسودها التوتر أو العقاب الجسدي أو الإهمال يكونون أكثر ميلاً للعنف، كما أن غياب الحوار داخل الأسرة يقلل من فرص تعلم التعبير السلمي عن المشاعر، وتؤكد دراسات عربية تناولت سلوك الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة أن أساليب التربية القائمة على القسوة أو التدليل المفرط تسهم في إضعاف الضبط الذاتي، مما ينعكس على سلوك الطفل داخل الروضة، ويظهر ذلك في عدم القدرة على الالتزام بالقواعد أو احترام الآخرين، وفي المقابل فإن الأسر التي تعتمد أساليب تربية إيجابية قائمة على التوجيه والحوار تسهم في تنمية مهارات التفاعل الاجتماعي السليم.

    وتأتي البيئة التعليمية بوصفها المجال الأكثر تأثيراً بعد الأسرة، حيث تلعب الروضة دوراً محورياً في تعديل السلوك وتعزيز القيم الاجتماعية، ويبرز دور الإدارة التربوية هنا في وضع سياسات واضحة لإدارة السلوك، وتوفير بيئة آمنة وداعمة نفسياً، إذ تشير الأدبيات التربوية إلى أن غياب التنظيم داخل الصف أو عدم وضوح القواعد يؤدي إلى زيادة السلوك العدواني، بينما يسهم وجود نظام تربوي متكامل في الحد من هذه الظاهرة، ويشمل ذلك تدريب المعلمات على استراتيجيات التعامل مع السلوكيات الصعبة، وتوفير برامج إرشادية للأطفال، وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور.

    ويعد التخطيط التربوي أحد الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها الإدارة في معالجة العنف، حيث يتم تصميم أنشطة تعليمية تهدف إلى تنمية مهارات التواصل والتعاون، مثل الألعاب الجماعية والأنشطة التشاركية، كما يتم إدماج برامج التربية الانفعالية التي تساعد الطفل على التعرف على مشاعره وإدارتها، وتؤكد الدراسات أن تعليم الأطفال مهارات مثل الانتظار والتفاوض والتعبير عن الغضب بطرق مقبولة يسهم في تقليل السلوك العدواني بشكل ملحوظ، كما أن استخدام التعزيز الإيجابي بدلاً من العقاب يعزز السلوك المرغوب ويحد من السلوك غير المقبول.

    وفي سياق متصل تلعب الإدارة دوراً في بناء شراكة فعالة مع الأسرة، إذ لا يمكن معالجة العنف داخل الروضة بمعزل عن البيئة المنزلية، ويتم ذلك من خلال عقد اللقاءات الدورية مع أولياء الأمور وتقديم الإرشادات التربوية، كما يمكن إعداد نشرات توعوية تتناول أساليب التعامل مع سلوك الطفل، وتؤكد البحوث أن التنسيق بين الروضة والأسرة يسهم في تحقيق اتساق في أساليب التربية، مما يساعد الطفل على اكتساب سلوكيات إيجابية بشكل أسرع، ويحد من التناقض الذي قد يربك الطفل ويزيد من سلوكه العدواني.

    كما تتجلى أهمية الدور الإداري في توفير بيئة مادية مناسبة تقلل من فرص الاحتكاك السلبي بين الأطفال، إذ تشير الدراسات إلى أن ازدحام الصفوف وقلة الأدوات التعليمية قد يؤديان إلى زيادة التنافس والصراع، ولذلك تسعى الإدارة إلى تنظيم المساحات وتوفير أدوات كافية وتوزيع الأطفال بشكل متوازن، كما يتم تصميم البيئة الصفية بطريقة تشجع على التعاون بدلاً من التنافس الحاد، ويشمل ذلك ترتيب الأركان التعليمية وتحديد مسارات الحركة داخل الصف بما يضمن تقليل الاحتكاك.

    ولا يقتصر دور الإدارة على الإجراءات الوقائية بل يمتد إلى التدخل العلاجي في الحالات التي يظهر فيها العنف بشكل متكرر، حيث يتم إعداد خطط تعديل سلوك فردية تعتمد على تحليل أسباب السلوك وتحديد مثيراته ونتائجه، ويتم تنفيذ هذه الخطط بالتعاون بين المعلمة والمرشدة الطلابية، مع متابعة مستمرة لتطور الحالة، وتشير الدراسات إلى أن التدخل المبكر يسهم في منع تطور السلوك العدواني إلى أنماط أكثر حدة في المراحل اللاحقة، كما أن استخدام أساليب مثل الإرشاد باللعب والعلاج السلوكي المعرفي المبسط أثبت فعاليته في هذه المرحلة العمرية.

    وتؤكد الأدبيات العلمية والخبرات العملية أن المعلمة التي تمتلك مهارات إدارة الصف والتواصل الفعال تكون أكثر قدرة على احتواء السلوك العدواني، وتشمل هذه المهارات استخدام لغة هادئة وواضحة، وتحديد القواعد بشكل مسبق، والتدخل السريع عند ظهور السلوك غير المرغوب، كما أن تجنب الصراخ أو العقاب القاسي يسهم في بناء علاقة إيجابية مع الطفل، وهو ما يعزز استجابته للتوجيه، وتحرص الإدارة على توفير برامج تدريبية مستمرة للمعلمات في هذا المجال.

    وبهذا يتضح لنا أن معالجة مظاهر العنف لدى أطفال الروضة تتطلب رؤية تكاملية تجمع بين الفهم العلمي لطبيعة النمو الطفولي وتطبيق استراتيجيات تربوية فعالة، حيث لا يمكن الاكتفاء بالتعامل مع السلوك الظاهر دون البحث في أسبابه، كما أن نجاح الإدارة في هذا المجال يعتمد على قدرتها على التنسيق بين مختلف الأطراف وتوفير بيئة تعليمية داعمة، ويظل الهدف الأسمى هو مساعدة الطفل على بناء مهاراته الاجتماعية والانفعالية بطريقة تضمن له نمواً متوازناً وتفاعلاً إيجابياً مع الآخرين.

  • الممارسات التربوية وتحولاتها في صفوف الطفولة المبكرة

    بشير بن نعمان دحان

     

    تشهد بيئات الطفولة المبكرة تحولات متسارعة بفعل التغيرات المعرفية والتكنولوجية والاجتماعية؛ الأمر الذي يفرض على المعلمة أن تتجاوز الأدوار التقليدية القائمة على التلقين إلى أدوار أكثر تفاعلاً ومرونة، فالأطفال في هذه المرحلة لا يستجيبون للأنماط الجامدة بقدر استجابتهم للخبرات الغنية التي تستثير فضولهم وتدعم نموهم الشامل، ومن هنا تصبح عملية تطوير الأساليب التدريسية ضرورة مهنية تتصل بجوهر التعلم نفسه، إذ إن طبيعة هذه المرحلة تتطلب ممارسات قائمة على اللعب المنظم، والاكتشاف، والتجريب، والتفاعل الاجتماعي، وهو ما تؤكده الأدبيات التربوية الحديثة التي ترى أن التعلم المبكر يتشكل من خلال الخبرة المباشرة أكثر من اعتماده على الشرح المجرد؛ لذلك فإن المعلمة التي تعي هذه الخصائص تعمل باستمرار على إعادة تشكيل استراتيجياتها بما يتلاءم مع حاجات الأطفال المتغيرة.

    ويظهر أثر تطوير الأساليب التدريسية في قدرة المعلمة على بناء بيئة صفية محفزة؛ حيث تتحول غرفة الصف إلى فضاء غني بالمثيرات التعليمية التي تدعم التعلم الذاتي، فالتنوع في الوسائل والأنشطة يتيح فرصاً متعددة أمام الأطفال للتفاعل، كما أن إدماج التقنيات الحديثة بطريقة مدروسة يسهم في تعزيز الإدراك الحسي لديهم، ومع ذلك فإن التقنية لا تُستخدم بوصفها غاية بل وسيلة تدعم أهدافاً تربوية محددة؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الاستخدام الواعي للتكنولوجيا في الطفولة المبكرة يعزز مهارات التفكير وحل المشكلات عندما يقترن بإشراف تربوي فعال، وفي هذا السياق تتجلى أهمية التدريب المستمر للمعلمات على توظيف هذه الأدوات بما يحقق التوازن بين التعلم الرقمي والخبرات الواقعية.

    كما أن تطوير الأساليب لا يقتصر على الأدوات بل يمتد إلى فهم أعمق لنظريات التعلم؛ فالمعلمة التي تستند إلى نظريات مثل البنائية الاجتماعية تدرك قيمة التفاعل بين الطفل وبيئته، وتحرص على تقديم أنشطة ضمن منطقة النمو القريب؛ مما يساعد الطفل على الانتقال التدريجي من الاعتماد إلى الاستقلال، وفي المقابل فإن استحضار مبادئ بياجيه المتعلقة بمراحل النمو المعرفي يمكن المعلمة من تصميم أنشطة تتناسب مع قدرات الأطفال الإدراكية؛ فلا تُفرض عليهم مهام تفوق مستوى نموهم، ولا تُحرم عقولهم من التحديات المناسبة، هذا الوعي النظري ينعكس مباشرة على جودة الممارسة الصفية ويجعلها أكثر انسجاماً مع خصائص النمو.

    ومن جهة أخرى فإن التنوع في أساليب التدريس يسهم في مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال؛ إذ إن كل طفل يأتي إلى الصف بخلفية مختلفة وخبرات متباينة، ومعلمة الطفولة المبكرة مطالبة بخلق فرص تعلم متعددة تستوعب هذا التنوع، فبعض الأطفال يتعلمون عبر الحركة، وآخرون عبر السمع أو المشاهدة، وهنا تظهر أهمية استراتيجيات مثل التعلم القائم على المراكز، حيث يُتاح للأطفال التنقل بين أنشطة مختلفة وفق ميولهم؛ مما يعزز استقلاليتهم ويمنحهم شعوراً بالمسؤولية تجاه تعلمهم، كما أن هذا التنوع يقلل من مشاعر الإحباط لدى الأطفال الذين قد لا يجدون أنفسهم في نمط تعليمي واحد.

    ويتصل تطوير الأساليب كذلك بقدرة المعلمة على التقويم المستمر؛ فالتقويم في هذه المرحلة لا يقوم على الاختبارات التقليدية بل يعتمد على الملاحظة المنظمة وتوثيق الأداء، وهذا يتطلب من المعلمة امتلاك مهارات دقيقة في تسجيل سلوكيات الأطفال وتحليلها؛ من أجل بناء خطط تعليمية تستجيب لاحتياجاتهم الفعلية، وعندما تستخدم المعلمة أدوات مثل سجلات التعلم وملفات الإنجاز فإنها تخلق صورة شاملة عن تقدم الطفل؛ مما يساعد في اتخاذ قرارات تربوية أكثر دقة، كما يتيح هذا النوع من التقويم التواصل الفعال مع أولياء الأمور عبر تقديم معلومات واقعية عن نمو أطفالهم.

    ويبرز جانب آخر يتمثل في البعد العاطفي للتعلم؛ إذ إن تطوير الأساليب التعليمية يجب أن يراعي بناء علاقات إيجابية بين المعلمة والأطفال، فالشعور بالأمان والثقة يشكل أساساً لأي عملية تعلم ناجحة، والمعلمة التي تعتمد أساليب تفاعلية قائمة على الحوار والتشجيع تعزز الدافعية الداخلية لدى الأطفال، كما أن استخدام استراتيجيات مثل التعلم التعاوني يسهم في تنمية مهارات التواصل الاجتماعي لديهم؛ حيث يتعلمون كيفية العمل مع الآخرين واحترام وجهات النظر المختلفة، وهذا البعد الاجتماعي لا يقل أهمية عن الجوانب المعرفية في تشكيل شخصية الطفل.

    وفي سياق متصل فإن التطوير المهني المستمر يمثل حجر الزاوية في تحسين أداء المعلمة؛ فالمشاركة في الدورات التدريبية وورش العمل تتيح لها الاطلاع على أحدث الممارسات التربوية، كما أن قراءة البحوث العلمية تسهم في توسيع آفاقها وتزويدها بأدوات جديدة، وقد أظهرت الدراسات أن المعلمات اللواتي ينخرطن في مجتمعات تعلم مهنية يحققن مستويات أعلى من الكفاءة؛ نتيجة تبادل الخبرات ومناقشة التحديات المشتركة، وهذا يعزز ثقافة التعلم المستمر داخل المؤسسات التعليمية ويجعل التطوير جزءاً من الممارسة اليومية وليس نشاطاً طارئاً.

    ويأتي دور القيادة التربوية في دعم هذا التوجه؛ إذ إن البيئة المؤسسية التي تشجع الابتكار وتمنح المعلمة مساحة للتجريب تسهم في تطوير الأساليب بشكل فعلي، فعندما تشعر المعلمة بأن أفكارها محل تقدير فإنها تكون أكثر استعداداً لتبني ممارسات جديدة، كما أن توفير الموارد اللازمة يعد عاملاً حاسماً في نجاح أي عملية تطوير؛ لأن غياب الإمكانات قد يحد من قدرة المعلمة على تطبيق ما تعلمته، ومن هنا تتكامل الجهود بين المعلمة والإدارة لتحقيق بيئة تعليمية متطورة.

    كما أن تطوير الأساليب يسهم في تعزيز ارتباط التعلم بحياة الطفل اليومية؛ فالمعلمة التي تربط الأنشطة بخبرات الأطفال الواقعية تجعل التعلم أكثر معنى، وهذا يتطلب منها معرفة السياق الثقافي والاجتماعي الذي ينتمي إليه الطفل، فعلى سبيل المثال يمكن توظيف القصص المحلية أو الأنشطة المرتبطة بالبيئة المحيطة؛ مما يعزز الهوية الثقافية لدى الأطفال ويجعلهم أكثر تفاعلاً مع المحتوى، هذا الربط بين التعلم والواقع يمثل أحد الأسس التي تؤكدها الاتجاهات التربوية المعاصرة.

    ولا يمكن إغفال دور البحث التربوي في توجيه عملية التطوير؛ إذ توفر الدراسات العلمية أدلة يمكن الاستناد إليها في اختيار الأساليب المناسبة، فالمعلمة التي تعتمد على نتائج البحوث تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مدروسة، كما أن إجراء بحوث إجرائية داخل الصف يسهم في تحسين الممارسة بشكل مباشر؛ حيث تقوم المعلمة بتجريب استراتيجيات جديدة وتقييم أثرها، وهذا النوع من البحث يعزز التفكير التأملي ويجعل المعلمة شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة التربوية.

    وفي ضوء ما سبق يتضح أن تطوير أساليب المعلمة في صفوف الطفولة المبكرة ليس خياراً بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة ومتطلبات العصر؛ إذ يرتبط هذا التطوير بجودة التعلم ونمو الطفل في مختلف الجوانب، كما أنه يعكس مستوى الوعي المهني لدى المعلمة وقدرتها على التكيف مع التغيرات، وعندما تتبنى المعلمة هذا التوجه فإنها تسهم في بناء جيل قادر على التفكير والإبداع والتفاعل الإيجابي مع مجتمعه، وهو الهدف الذي تسعى إليه النظم التعليمية الحديثة.

     

  • غرس حب القرآن الكريم في نفوس الأطفال

    بشير بن نعمان دحان

    القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزّل هدىً ورحمة، وحبلٌ ممدود بين العبد وربه؛ ولما كان صلاح القلوب مستنداً إلى تعلّقها بهذا الكتاب، كانت تربية الأطفال على محبّته غرساً لأصلٍ تتفرّع عنه سائر الفضائل؛ وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تعلّم القرآن وتعليمه عنوانَ الخيرية في أمّته بقوله: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»، فدلّ بأنّ أفضل الناس من جمع بين تلقّي الكتاب وبذله للناشئة؛ ومن هنا تنشأ الحاجة إلى أن نُحبّب القرآن إلى الصغير قبل أن نُكلّفه حفظه، فتنعقد في قلبه أواصر المودّة للكتاب قبل أن تثقل كاهله بأحكامه.

    ويستند هذا الترغيب إلى أصلٍ قرآني صريح؛ فقد أمر الله نبيّه بتلاوة ما أُوحي إليه من الكتاب وإقام الصلاة في قوله تعالى: «اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقِم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر»، فربطت الآية بين التلاوة والصلاة والنهي عن القبيح، وأشارت إلى أنّ ذكر الله أعظم شأناً؛ ويتفرّع عن هذا المعنى أنّ الطفل حين يُربّى على تلاوة القرآن يُدخِل في يومه نصيباً من الذكر يهذّب نفسه ويزكّيها، فيُغرس في وجدانه أنّ القرآن ليس مجرد كلماتٍ تُحفظ، بل ميزانٌ يزن به سلوكه، ونورٌ يستضيء به في طريقه.

    ولا يخفى أنّ الطفولة المبكرة مرحلةٌ ذهبية لغرس الإيمان، إذ ينطببع قلب الصغير بما يُلقى فيه قبل أن تتشكّل حجب العادات؛ وقد استثمر السلف الصالح هذه المرحلة في تعريف أطفالهم بالرحمن وتحفيظهم القرآن معنىً ومبنى، فأثمر ذلك ثمراتٍ مباركة في عقولهم وسلوكهم؛ وتؤكد الدراسات المعاصرة هذا الأثر، إذ بيّنت إحداها وجود علاقة إيجابية قوية بين نشاط حفظ القرآن الكريم والضبط الذاتي لدى أطفال ما قبل المدرسة، وأنّ الملتحقين بهذا النشاط فاقوا أقرانهم في الانتباه وضبط النفس؛ ومن ثَمّ يتضح أنّ غرس حب القرآن يُثمر تحكّماً ذاتياً وتهذيباً للسلوك لا يتأتّيان بمجرد الموعظة.

    ولئن كان الحفظ هدفاً، فإنّ المحبّة هي الطريق إليه؛ وقد وفّرت السنّة النبوية من المعاني ما يُحرّك الوجدان ويربط القلب بالكتاب رباطَ مودّة لا خوف؛ ففي الحديث أنّ الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرة الكرام البررة، وأنّ الذي يتعهّده وهو عليه شديد فله أجران، وفي الحديث الآخر أنّ أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته، وورد أنّ مَثَل من تعلّم القرآن وقام به كمثل جرابٍ محشوٍّ مسكاً تفوح رائحته كل مكان؛ فمثل هذه التصاوير الحسّية تقرّب المعنى إلى ذهن الطفل، وتُورثه شوقاً إلى أن يكون من أهل القرآن، وتجعل من الحفظ طلباً لرضا الله وقربِه لا تكليفاً ثقيلاً.

    وتشكل الأسرة المحضن الأول لهذه المحبّة؛ فالطفل تتشكّل مودّته للقرآن بقدر ما يرى من مودّته في بيته؛ وقد أكدت دراسة تحليلية أنّ من واجب الآباء أن يتولّوا ربط أبنائهم بالقرآن من خلال قراءته والتدبّر في آياته، وأن يربطوا قلوبهم بالله عبر كلامه؛ ومن هنا يستقبل البيتُ القرآن استقبالاً عمليّاً، فيسمع الطفل في داره تلاوةً خاشعة، ويرى والديه يتأملان ويتضرّعان، فيتشبّه بهما قبل أن يُلقَّن؛ ولا يخفى أنّ القدوة الحيّة أوقع في النفس من ألف موعظة، وأنّ البيت الذي يخلو من القرآن يصعب أن يُنشئ طفلاً محبّاً له.

    ولا تقتصر الوسائل على القدوة، إذ تتعدد لتشمل تهيئة البيئة القرآنية المناسبة؛ فيُختار للطفل قارئٌ حسن الصوت يتلقّى عنه، وتُذاع في البيت تلاواتٌ خاشعة بترتيلٍ يطمئن القلب، وتُستغل أوقات اليقظة والنوم بتلاوة قصار السور والأذكار؛ كما تُوظَّف القصة القرآنية مبسّطةً فيُقصّ على الطفل قصص الأنبياء بألفاظ قريبة من مداركه، فينشأ على أنّ القرآن كتاب حياةٍ وقصصٍ وعِبر لا نصٌّ جامدٌ بلا روح؛ ومثل هذه المعالجة الوجدانية تُحدِث في الصغير أنساً بالكتاب، وتجعل صورته في خياله مصحوبةً بالسكينة والطمأنينة.

    ويتطلّب تعليم القرآن حِسّاً تربويّاً يراعي سنّ الطفل وقدراته؛ فيُبدأ باليسير من قصار السور، ويُستعان بالتلقين والتكرار والاستماع، ويُكرّر المعلّم النموذج القرآني حتى ترسخه أذن الطفل قبل لسانه؛ وقد بيّنت دراسة فاعلية توظيف أنماط التعلم المتنوعة في تدريس القرآن على تصحيح التلاوة وضبطها، بما يدلّ على أنّ تنوّع الوسائط والأساليب يقرّب المعلومة ويزيد إتقانها؛ ويتحقق ذلك بمراعاة التجويد رفقاً دون تعقيد، وتقدير الجرعة بما يطيق الصغير، فلا يُملَّ فينفر، ولا يُترك فينسى، ويتدرّج به من الحفظ إلى الفهم إلى التطبيق.

    وإلى جانب الأسرة، تضطلع المؤسسات التربوية كرياض الأطفال وحلقات تحفيظ القرآن بدورٍ معزّز؛ فروض الأطفال قادرة على أن تدمج القيم القرآنية ضمن مناهجها وأنشطتها، فتُكسب الطفل احترام الكتاب ومودّته منذ سنٍّ مبكرة؛ وتؤدي حلقات التحفيظ والمدرسة القرآنية وظيفة اجتماعية وتربوية، إذ تجمع الصغار على ذكر الله، وتُشيع بينهم روح التنافس الشريف في الخير، وتُعوّدهم الانضباط والمداومة؛ وتبقى جودة المعلم وسلامة منهجه عاملَيْن حاسمَيْن في ترسيخ المحبّة، حين يقدّم القرآن بحُنوّ وإخلاص فيرتبط الطفل بالكتاب وبمن علّمه إيّاه.

    غير أنّ هذه التربية تستوجب ضوابط تكفل سلامتها؛ فلا يُدفع الطفل إلى الحفظ دفعاً ينفره، ولا يُحوَّل القرآن في نفسه إلى عبءٍ أو إلى وسيلة مفاخرةٍ ومسابقةٍ على الجوائز فحسب؛ فالتربية الإسلامية تُراعي التدرّج والرفق وتناسب الجرعة مع الاستعداد، وتوازن بين الترغيب والترهيب مع إيثار الترغيب في هذه السنّ؛ ومن الخطأ أن يُقترن القرآن في ذهن الصغير بالصراخ والضرب، فينمو في قلبه نفورٌ بدل مودّة؛ وتبقى المداومة الهادئة على قدرٍ يسير يوميّاً أعمق أثراً من الحماسة المتقطعة، فتتحوّل العلاقة بالقرآن إلى عادةٍ مأنوسةٍ لا حدثٍ طارئ.

    وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أنّ غرس حب القرآن الكريم في نفوس الأطفال عمليةٌ تربوية متكاملة تجمع بين الأصل القرآني والهدي النبوي والأسلوب الملائم لمرحلة الطفولة، وتستهدف أن ينشأ الصغير موصولاً بكلام ربه، متأدّباً بآدابه، مستضيئاً بنوره؛ ويتحقق ذلك بتكاتف الأسرة والروضة وحلقة التحفيظ، وبأساليب متنوعة تجمع القدوة والقصة والتلقين والترتيل، مع مراعاة الرفق والتدرّج وتناسب الجرعة؛ وبذلك ينشأ الطفل على أنّ للقرآن في حياته مكاناً ومحبّةً، فيكبر وهو يأنس بكتاب ربه آنساً به لا غريباً عنه، وتبقى علاقته به ممتدةً معه ما دامت حياته.

    المراجع

    القرآن الكريم. سورة العنكبوت، الآية 45. https://quran.com/al-ankabut/45

    البخاري، أ. ع. (د.ت). صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه (رقم 5027). https://sunnah.com/bukhari:5027

    البخاري، أ. ع. (د.ت). صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له (رقم 4937). https://sunnah.com/bukhari:4937

    ابن ماجه، أ. ع. (د.ت). سنن ابن ماجه: كتاب المقدمة، باب فضل من تعلّم القرآن وعلّمه (رقم 215). https://sunnah.com/ibnmajah:215

    الطبريزي، أ. ع. (د.ت). مشكاة المصابيح: كتاب فضائل القرآن (رقم 2143). https://sunnah.com/mishkat:2143

    الفتني، زينب عبد الغفار. (2023). حفظ القرآن الكريم وعلاقته بالضبط الذاتي لدى أطفال ما قبل المدرسة. مجلة الطفولة العربية، 24(94)، 33-55. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/KUJac/JacVol24No94Y2023/jac_2023-v24-n94_033-055.pdf

    القصيري، عمر بن الخطاب عبده. (2019). الدور التربوي للأسرة في تنشئة أبنائها على العبادات القلبية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية: دراسة تحليلية. المجلة العلمية لكلية التربية–جامعة أسيوط، 35(11، ج2)، 594-624. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/EGJfeau/JfeauVol35No11P2Y2019/jfeau_2019-v35-n11-p2_594-624.pdf

    سمارة، هتوف. (2021). دور رياض الأطفال في تنمية القيم الإسلامية والهوية الوطنية في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030. دراسات: العلوم التربوية، 48(4)، 65-78. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JODes/DesVol48No4Y2021/des_2021-v48-n4_065-078.pdf

    الشهري، عبدالعزيز بن غرمان، وآل مسعد، أحمد بن زيد. (2017). أثر تدريس القرآن الكريم باستخدام نمط التعلم المدمج على تصحيح التلاوة لطلاب حلقات الأكاديمية القرآنية العالمية. المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية، 2(1)، 109-138. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JOIjeps/IjepsVol2No1Y2017/ijeps_2017-v2-n1_109-138.pdf

     

  • تربية الأطفال على فضائل يوم الجمعة

    بشير بن نعمان دحان

      يوم الجمعة خير يوم طلعت  عليه الشمس، وفيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه أُدخل الجنة وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فيه، كما صحّ في الحديث النبوي الشريف؛ ومن هنا كانت تربية الأطفال على فضائل هذا اليوم وأحكامه ضرباً من التربية الإيمانية المبكرة التي تبني وجدان الطفل قبل أن تتشكل ملكاته، إذ تُغرس في نفسه قيم تعظيم هذا اليوم منذ نعومة أظفاره، فيكبر مشدوداً إلى جامعة الأسبوع ومجمع المسلمين، ويتربى على أن للزمن حرمةً وأدباً، وأن في كل أسبوع يوماً يستجمع فيه المسلمون شملهم ويستأنفون فيه عهدهم بربهم.

    ويستند هذا التعظيم إلى أصل قرآني صريح؛ فقد أمر الله تعالى المؤمنين بقوله: «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع»، ثم أذن لهم بعد قضاء الصلاة بالانتشار في الأرض وابتغاء الفضل، فجمعت الآيتان بين تعظيم العبادة وإباحة التكسب، وربطتا بين حق الخالق وحق المخلوق في تأدية كل واحد منهما في وقته؛ ويترتب على هذه المعاني أن يُربّى الطفل على أن الجمعة يومٌ يجمع بين الجانب الروحي والجانب الدنيوي، فلا يُهمل فيه طلب الرزق ولا يطغى عليه، فيقبل على عبادته منشرح الصدر، وتتجلى هنا حكمة الجمع بين الأمر بالسعي إلى الذكر والإذن بالانتشار في آيتين متواليتين، فيتعلّم الصغير التوازن بين الدين والحياة.

    ولا تكتمل هذه التربية إلا إذا قُدّمت للطفل بأسلوب مبسّط يتلاءم مع إدراكه؛ فالطفولة المبكرة مرحلة خصبة لغرس القيم، وقد أكدت إحدى الدراسات أن رياض الأطفال تضطلع بدور بالغ في تنمية القيم الإسلامية لدى الأطفال، وأن المنهج والمعلمة والنشاط تشكل معاً منظومة متكاملة لتكوين الهوية الدينية؛ ومن ثَمّ فإن تعظيم يوم الجمعة لا يُترك للصدفة، بل يُدمج في الأنشطة اليومية والقصص والأناشيد، فيستوعب الطفل فضائل اليوم من خلال معرض حسي وحركي ولغوي يخاطب مداركه، ويحوّل المعلومة الجامدة إلى قيمة حيّة ممارسة يتفاعل معها بوجدانه قبل عقله.

    وتتعدد فضائل اليوم التي ينبغي أن يُربّى عليها الصغير؛ فمنها ما يتعلق بأحداث كونية كخلق آدم وإسكناه الجنة، ومنها ما يتعلق بساعة الإجابة التي يُرجى فيها قبول الدعاء؛ فقد ورد في السنة أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه، فتُغرس في الطفل عادة التضرع والدعاء في آخر النهار، وتُربّى فيه رجاء الفرج وانتظار القرب من الله؛ ومثل هذه المعاني تُورث الصغير توازناً نفسياً يجمع بين رجاء الرحمة ومراقبة الخالق، وتزرع في نفسه أن للزمن مواسم تُستقبل فيها نفحات الإجابة، فيتحرّاها بدعائه وخشوعه.

    ولا يقتصر التعليم على الجانب القلبي، إذ يمتد إلى الجانب العملي والسلوكي؛ فيُدرّب الطفل على سنن الجمعة وآدابها كالغسل والتطيّب والسواك والتبكير إلى المسجد والإنصات للخطبة، وقد ورد في الحديث أن من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام؛ ومثل هذا الوعد يُوجِد عند الطفل دافعاً ذاتياً للالتزام بالأدب، حين يدرك أن للإنصات والطهارة أثراً يُمحى به الذنب ويُكتب به الأجر؛ ويتحقق ذلك تدريجياً بالممارسة الأسبوعية المتكررة التي تحوّل السنن إلى عادات راسخة لا إلى تكاليف ثقيلة.

    وتشكل الأسرة المحضن الأول لهذه التربية؛ فقد تناولت دراسة تحليلية الدور التربوي للأسرة في تنشئة أبنائها على العبادات في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، كما أبرزت دراسة أخرى مبادئ التربية الأسرية الواردة في السنة النبوية كالرفق والقدوة والتدرّج وأثرها على المجتمع؛ ومن خلال هذا التوجه يستقبل الأهل يوم الجمعة بتهيئة خاصة، فيصحبون الطفل إلى المسجد، ويشركونه في إعداد ملابسه وتهيئة نفسيه، فيعيش الجمعة حدثاً أسرياً مشتركاً يشارك فيه أهله جميعاً، ولا يخفى أن الطفل حين يرى والديه يعظّمان اليوم عملياً يتشبّه بهما أسرع مما يتلقى من نصح قولي مجرّد.

    ولا تقتصر الوسائل على الصحبة والقدوة، إذ تتنوع لتشمل القصة الحسنة والأنشودة المحببة والحوار المفتوح حول معاني اليوم؛ فالقصة تكشف للطفل كيف كان المسلمون الأوائل يتلقون نداء الجمعة ويتركون أبيعتهم ويلحقون بالمسجد، والأنشودة تثبّت في ذهنه اسم اليوم وفضائله بإيقاع سهل، والحوار يفتح باب أسئلته عن ساعة الإجابة وأحداث خلق آدم؛ وقد بيّنت دراسة فاعلية استراتيجية المشروع في تنمية بعض القيم الأخلاقية لدى طفل الروضة، بما يدل على أن التعلم بالممارسة والمشاركة أوقع أثراً من التلقين الجاف؛ وعليه، فإن إشراك الطفل في إعداد بطاقة دعوة لزميل إلى المسجد أو رسم مشهد الجمعة يرسّخ القيمة أكثر من حفظ معلومة معزولة.

    وإلى جانب الأسرة، تضطلع المؤسسات التربوية كرياض الأطفال وحلقات التحفيظ بدور معزّز؛ إذ تُدرج فضائل الجمعة ضمن برامجها، وتوظف الأنشطة الجماعية لإبراز الجانب الاجتماعي في اليوم، فيكتشف الطفل أن الجمعة تجمع المسلمين على ذكر الله وأنها يوم الوحدة واللقاء؛ وتُسهم هذه المؤسسات في تعويض ما قد يعجز عنه بعض الأسر، وتوحيد الرسالة التربوية بين البيت والمسجد والروضة، فلا يجد الطفل تضارباً بين قول يُلقى عليه وفعل يُخالفه، وتبقى جودة البيئة التربوية وتكامل أدوارها عاملين حاسمين في ترسيخ تعظيم اليوم في وجدان الصغير، وتحويله من معلومة تُحفظ إلى سلوك يُمارس.

    غير أن هذه التربية تستوجب ضوابط تكفل سلامتها؛ فلا يُكلّف الطفل ما لا يطيق، ولا تُعرض عليه الفضائل بأسلوب يُرهبه أو يُشوّه تصوره عن ربه؛ فالتربية الإسلامية تراعي التدرّج والرفق وتناسب المعلومة مع سن الطفل، وتوازن بين الترغيب والترهيب مع إيثار الترغيب في هذه المرحلة العمرية؛ ومن الخطأ أن يُحوّل اليوم إلى طقس آلي بلا روح، أو أن يُقصر على أحكام الطهارة والإنصات دون استشعار المعنى؛ وتبقى الممارسة المستمرة الهادئة أعمق أثراً من الحماسة المتقطعة، حين تصبح فضائل الجمعة جزءاً من إيقاع حياة الطفل لا حدثاً طارئاً يُنسى بمضي الأسبوع.

    وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أن تربية الأطفال على فضائل يوم الجمعة عملية تربوية متكاملة تجمع بين الأصل القرآني والهدي النبوي والأسلوب التربوي الملائم للطفل، وهي تهدف إلى أن ينشأ الصغير موصولاً بربه، مستشعراً لزمنه، مقدّراً لجماعة المسلمين، متعلقاً ببيت الله؛ ويتحقق ذلك بتكاتف الأسرة والمؤسسة والمسجد، وبأساليب متنوعة تجمع القصة والقدوة والأنشودة والممارسة، مع مراعاة التدرّج والرفق، فتتحول فضائل الجمعة في وجدان الطفل من يوم عابر إلى موسم أسبوعي يُستقبل بالفرح والطهر والذكر، وتُبنى على تعظيمه هوية دينية متينة تمتد معه طوال حياته.

    المراجع

    القرآن الكريم. سورة الجمعة، الآيتان 9-10. https://quran.com/al-jumuah/9-10

    مسلم، أ. ح. (د.ت). صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة (رقم 854ب). https://sunnah.com/muslim:854b

    مسلم، أ. ح. (د.ت). صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت (رقم 857أ). https://sunnah.com/muslim:857a

    النسائي، أ. ع. (د.ت). سنن النسائي: كتاب الجمعة، باب الوقت الذي يُرجى فيه إجابة الدعاء يوم الجمعة (رقم 1389). https://sunnah.com/nasai:1389

    سمارة، هتوف. (2021). دور رياض الأطفال في تنمية القيم الإسلامية والهوية الوطنية في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030. دراسات: العلوم التربوية، 48(4)، 65-78. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JODes/DesVol48No4Y2021/des_2021-v48-n4_065-078.pdf

    القضاة، محمد أمين حامد. (2022). جوانب من مبادئ التربية الأسرية كما جاءت في السنة النبوية وأثرها على المجتمع. المجلة الدولية للبحوث النفسية والتربوية، 1(3)، 357-382. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JOIjper/IjperVol1No3Y2022/ijper_2022-v1-n3_357-382.pdf

    القصيري، عمر بن الخطاب عبده. (2019). الدور التربوي للأسرة في تنشئة أبنائها على العبادات القلبية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية: دراسة تحليلية. المجلة العلمية لكلية التربية–جامعة أسيوط، 35(11، ج2)، 594-624. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/EGJfeau/JfeauVol35No11P2Y2019/jfeau_2019-v35-n11-p2_594-624.pdf

    السعوي، تهاني عبد العزيز. (2019). فاعلية استراتيجية المشروع في تنمية بعض القيم الأخلاقية لدى طفل الروضة. شبكة المعلومات العربية التربوية (شامع). https://search.shamaa.org/fullrecord?ID=275806

  • تنمية الموارد البشرية في مراكز الطفولة المبكرة

     تحتل قضية تنمية الموارد البشرية في مراكز الطفولة المبكرة موضعاً متقدماً بين قضايا الإصلاح التربوي المعاصر؛ فلم يعد الحديث عن جودة الروضة مقصوراً على المنهج أو التجهيزات، بل امتد إلى الكادر الإنساني الذي يترجم الخطط إلى ممارسات فعلية أمام الطفل يوماً بعد يوم؛ وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن نجاح العملية التربوية في الروضة يظل عديم الفائدة ما لم يتوافر لها معلم كفؤ، مهما كانت المناهج متقنة والوسائل .

    يقوم مفهوم تنمية الموارد البشرية في هذا السياق على عملية مستمرة ومخططة، تبدأ من استقطاب الكفاءات واختيارها وفق معايير دقيقة، ثم تنتقل إلى تأهيلها وتدريبها، فتطوير مسارها الوظيفي، وتقييم أدائها بصورة دورية؛ وقد كشفت دراسة ميدانية على عينة من مديرات ومعلمات وإداريي رياض الأطفال في محافظة الإسكندرية أن ممارسة أساليب توظيف الموارد البشرية وتطوير المسار الوظيفي جاءت ضعيفة، في حين جاء التدريب وتقييم الأداء بدرجة متوسطة فقط  )؛ وهذا يفسر جانباً من التفاوت في الأداء الوظيفي بين المؤسسات، ويؤكد الحاجة إلى نظرة شاملة لا تحصر التنمية في دورات متفرقة منقطعة عن حاجة المعلمة الفعلية.

    ولا يمكن فهم دور المعلمة بمعزل عن طبيعة المهنة؛ فهي تجمع بين المعرفة النظرية بخصائص نمو الطفل، والمهارة العملية في التخطيط والتنفيذ، والحس التربوي الذي يمكّنها من قراءة حاجات كل طفل على حدة؛ وقد وضعت هيئة تقويم التعليم والتدريب في المملكة العربية السعودية وثيقة معايير مهنية لمعلمي رياض الأطفال، قسّمتها إلى ثمانية مجالات، هي النمو والتعلم، والتعليم والتعلم، وبيئة التعلم، والتفاعل والتوجيه، والتقويم، والشراكة مع الأسرة والمجتمع، وصحة وسلامة الطفل، والتنمية المهنية، وجعلت هذه المعايير أساساً لاختبارات الترخيص المهني ؛ ويرتبط معيار التفاعل والتوجيه فيها ارتباطاً وثيقاً بمعيار التنمية المهنية، فالمعلمة المطلوب منها أن تجمع بين الحزم واللين، وأن تمتنع تماماً عن العقاب البدني والنفسي، لا تبلغ هذا المستوى إلا عبر تأهيل متراكم وتدريب متجدد، لا بالاعتماد على الفطرة وحدها.

    ويكشف الأدب التربوي أن الإعداد قبل الخدمة لا يكفي وحده لمواجهة متطلبات المهنة المتغيرة؛ فإعداد معلمة الروضة عملية مستمرة تشمل الإعداد الأكاديمي قبل التعيين، والتدريب أثناء الخدمة الذي لا يقصد به تعويض قصور الإعداد الأولي فحسب، بل يمثل جزءاً من تربية مستمرة تُحدَّث فيها المعارف وتُصقَل المهارات باستمرار ؛ وتؤكد رؤى مقترحة عديدة أن أبرز اتجاهات هذا الشأن ثلاثة: التنمية وفق مدخل النظم الذي يربط تطوير المعلمة بمنظومة المؤسسة، والتنمية القائمة على ذاتية المعلمة وحاجاتها الفردية، والتنمية المرتكزة على الروضة نفسها بوصفها بيئة تعلم مهني حية، لا مجرد جهة تستقبل دورات خارجية جاهزة.

    وتبرز في هذا الإطار قيمة «مجتمعات التعلم المهنية» بوصفها أسلوباً منهجياً لتحسين الأداء، حيث تتيح للمعلمات التعلم بالتعاون مع زميلاتهن بطريقة منظمة، بدلاً من الاعتماد على التدريب الفردي المنقطع؛ وقد بيّنت دراسة تطبيقية أن معلمات رياض الأطفال بحاجة إلى مزيد من متطلبات التنمية المهنية التي تمكّنهن من إقامة مجتمع تعلم فعال (؛ وهذا يتوافق مع مؤشرات معيار التعلم المستمر في الوثيقة السعودية، التي تدعو المعلمة إلى الاجتماع الدوري مع زميلاتها لتبادل الخبرات، وتقبل التغذية الراجعة من قائدة المدرسة ومشرفاتها.

    ولا تتحقق هذه الصورة المتكاملة إلا بوجود قيادة تربوية فاعلة؛ فمهمة قائدة الروضة أو المشرفة التربوية تتسع إلى تحديد الاحتياجات التدريبية، وتصميم خطط نمو مهني تنطلق من نقاط القوة قبل الانتقال إلى مجالات الدعم، وتقديم ملاحظات بنّاءة أثناء الزيارات الصفية؛ وقد أظهرت تجارب برامج التطوير المهني الحديثة تحسناً ملموساً في أداء المعلمات حين ترافق التدريب متابعة ميدانية مستمرة، لا ورشة معزولة عن سياق العمل اليومي؛ ومن هذا المنظور يصبح الدور الإشرافي أحد أهم أدوات تنمية الموارد البشرية، لا وظيفة رقابية تكميلية.

    ويضيف البعد الاقتصادي زاوية أخرى لهذا الموضوع، تتمثل في مفهوم رأس المال البشري بوصفه مصدر القدرة التنافسية للمؤسسة؛ فقد كشفت دراسة حديثة أن هناك علاقة ارتباطية قوية بين تنمية رأس المال البشري وارتفاع القدرة التنافسية لمؤسسات رياض الأطفال، وأن المؤسسات التي تستثمر في تدريب كوادرها وترفع الرضا الوظيفي وتوفر بيئة عمل محفزة تحقق أداءً أفضل وتستقطب مزيداً من الأسر ؛ في حين يؤدي ضعف الاستثمار في العنصر البشري إلى تدني الخدمات وفقدان القدرة على التميز مقارنة بالمؤسسات المنافسة.

    ومع ذلك تواجه هذه العملية تحديات واقعية؛ فقد أظهرت دراسات استكشافية أن أبرز صعوبات التطوير المهني لمعلمات رياض الأطفال تتمثل في ضيق الوقت، وغياب الحوافز المادية والمعنوية، وارتفاع تكاليف الدورات، وعدم ملاءمة محتوى كثير من البرامج للاحتياجات الفعلية للمعلمات في الميدان؛ ويضاف إلى ذلك تحدٍ معرفي متجدد يتمثل في الانفجار المعرفي وثورة التقنية وتغير أدوار المعلمة باستمرار، وهو ما يفرض عليها أن تكون باحثة ومقوّمة لعملها، لا منفذة لتعليمات جاهزة فحسب .

    وتنمية الموارد البشرية في مراكز الطفولة المبكرة عملية متعددة الأبعاد، تبدأ من دقة الاستقطاب، وتمر بجودة التأهيل والتدريب المستمر، وتتشكل عبر قيادة تربوية داعمة تربط بين المعايير المهنية والممارسة اليومية، وتتقوى بمرجعية أخلاقية تستحضر مكانة الطفل ومسؤولية من يتولى رعايته؛ وكل تفريط في أحد هذه الأبعاد ينعكس بالضرورة على جودة الخبرة التي يعيشها الطفل في سنواته الأولى، وهي سنوات لا تُعوَّض إذا ضاعت فرصتها.

  • التربية البدنية في الطفولة المبكرة

     

    تشكل الطفولة المبكرة المرحلة التي تتكون فيها الأسس الأولى لنمو الطفل الجسمي والحركي، وفيها يبدأ باكتشاف قدراته من خلال الحركة واللعب والتفاعل مع البيئة المحيطة، ولهذا لا يمكن النظر إلى التربية البدنية على أنها وقت مخصص للترفيه فحسب، بل هي جزء من العملية التربوية التي تسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية إمكاناته بصورة متوازنة، فالخبرات الحركية التي يكتسبها في هذه السنوات ترافقه في المراحل اللاحقة، وتؤثر في ثقته بنفسه وفي قدرته على التعلم والتفاعل مع الآخرين.

    ويتعلم الطفل المهارات الحركية الأساسية بطريقة تدريجية، إذ يبدأ بالمشي ثم الجري والقفز والتسلق والرمي والالتقاط، ومع تكرار هذه الأنشطة تتحسن قدرته على التحكم في جسمه، كما يصبح أكثر إدراكًا للمسافات والاتجاهات، ويزداد توافق حركة العين مع اليد، وهي مهارات يحتاج إليها في كثير من المواقف اليومية داخل الروضة وخارجها.

    ولا يحدث هذا النمو بالوتيرة نفسها لدى جميع الأطفال، إذ تختلف سرعة اكتساب المهارات الحركية باختلاف الخبرات التي يمر بها كل طفل، فالطفل الذي يجد مساحة آمنة للعب والحركة يميل إلى تطوير قدراته بصورة أسرع، في حين قد يواجه الطفل الذي يقضي معظم وقته جالسًا أمام الشاشات صعوبة في أداء بعض الحركات التي تتطلب التوازن أو التناسق العضلي، ولهذا ينبغي مراعاة الفروق الفردية عند تخطيط الأنشطة الحركية، بعيدًا عن المقارنة المباشرة بين الأطفال.

    ومن داخل الروضة تظهر مواقف يومية تعكس أهمية التربية البدنية، فقد يطلب المعلم من الأطفال السير فوق شريط ملون مرسوم على الأرض، ثم الانتقال إلى القفز داخل دوائر متتابعة، وبعد ذلك رمي كرة إسفنجية نحو هدف قريب، وخلال هذا النشاط لا يتدرب الطفل على الحركة وحدها، بل يتعلم الإصغاء للتعليمات، وانتظار دوره، واحترام قواعد اللعبة، والتعامل مع زملائه في جو يسوده التعاون.

    كما تمنح الأنشطة الجماعية الطفل فرصة للتعبير عن نفسه بطريقة طبيعية، فالطفل الخجول قد يجد في اللعب وسيلة للمشاركة مع الآخرين دون شعور بالحرج، بينما يتعلم الطفل كثير الحركة كيف يضبط اندفاعه ويلتزم بالقواعد المتفق عليها، ومن هنا تصبح التربية البدنية وسيلة لتطوير الجوانب الاجتماعية والانفعالية إلى جانب أهدافها الحركية.

    ويرتبط نجاح البرنامج الحركي بمدى ملاءمته لخصائص الأطفال أكثر من ارتباطه بدرجة صعوبته، فالأنشطة البسيطة تحقق نتائج أفضل عندما تقدم في صورة مشوقة، ويمكن للمعلم أن يستخدم الكرات الخفيفة، والحلقات الملونة، والمخاريط الصغيرة، والحبال القصيرة، ثم يغير طريقة استخدامها من نشاط إلى آخر حتى يحافظ على دافعية الأطفال، ويمنحهم فرصًا متنوعة لاكتشاف قدراتهم.

    وفي المقابل يؤدي المعلم دورًا يتجاوز شرح النشاط، فهو يلاحظ أداء الأطفال، ويحدد الصعوبات التي تواجههم، ثم يعدل النشاط بما يتناسب مع احتياجاتهم، فإذا لاحظ أن بعض الأطفال يجدون صعوبة في التوازن خفف مستوى التحدي، وإذا وجد أن النشاط أصبح سهلًا رفع درجته تدريجيًا، وبذلك يشعر الطفل بالنجاح ويستمر في المشاركة بثقة.

    أما الأسرة فتعد شريكًا أساسيًا في دعم التربية البدنية، إذ يمكنها توفير فرص للحركة من خلال ممارسات بسيطة لا تحتاج إلى تجهيزات خاصة، مثل المشي اليومي، واللعب بالكرة، والركض في الحدائق، أو تنفيذ ألعاب حركية داخل المنزل عندما تسمح المساحة بذلك، كما أن مشاركة الوالدين أبناءهم في هذه الأنشطة تعزز دافعيتهم، وتجعل النشاط البدني جزءًا من أسلوب حياتهم اليومي.

    ومع انتشار الأجهزة الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة تراجعت ساعات الحركة لدى كثير من الأطفال، وأصبح بعضهم يقضي جزءًا كبيرًا من يومه أمام الشاشات، وهو ما قد ينعكس على مستوى اللياقة البدنية والمهارات الحركية الأساسية، لذلك تحرص المؤسسات التربوية على تخصيص وقت يومي للحركة المنظمة، إلى جانب تشجيع اللعب الحر الذي يمنح الطفل مساحة للتجربة والاستكشاف.

    وعند تقويم تقدم الطفل لا يكون التركيز على المقارنة بينه وبين أقرانه، وإنما على مقدار التطور الذي حققه مقارنة بأدائه السابق، فقد يتحسن توازنه، أو تزداد دقة رميه للكرة، أو يصبح أكثر قدرة على التعاون مع زملائه، وهذه مؤشرات تعكس نموه الحقيقي، وتساعد المعلم على تخطيط الأنشطة اللاحقة بما يتناسب مع احتياجاته.

    ولهذا تظل التربية البدنية في الطفولة المبكرة عنصرًا أصيلًا في التربية الشاملة، لأنها تنمي الجسد والعقل والانفعال في آن واحد، وتمنح الطفل خبرات عملية يعيشها بنفسه، فيتعلم من خلالها كيف يتحرك بثقة، ويتعاون مع الآخرين، ويكتسب عادات صحية ترافقه في مراحل حياته اللاحقة.